504

وهجعت عيون أنامك ، وأبوابك مفتحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عرصات القيامة ، ثم بكى وقال : وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك ، ولا بنكالك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولكن سولت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخي به علي، فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني ؟ فواسوأتاه غدا من الوقوف بين يديك ، إذا قيل للمخفين جوزوا ، وللمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز ؟ أم مع المثقلين أحط ؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربي ؟! ثم بكى وأنشأ يقول :

أتحرقني بالنار يا غاية المنى

فأين رجائي ثم أين محبتي

أتيت بأعمال قباح زرية

وما في الورى خلق جني كجنايتي

ثم بكى وقال : سبحانك تعصى كأنك لا ترى ، وتحلم كأنك لم تعص تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم ، وأنت يا سيدي الغني عنهم ثم خر إلى الارض ساجدا ؟ قال : فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده ، فاستوى جالسا وقال : من الذي شغلني عن ذكر ربي ؟ فقلت : أنا طاوس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع ؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون ، أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء ، وجدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟! قال : فالتفت إلي وقال : هيهات هيهات يا طاوس دع عني حديث أبي وأمي وجدي خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ، ولو كان عبدا حبشيا ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولدا قرشيا أما سمعت قوله تعالى « فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون » والله لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح (1) .

هذه بعض الأحاديث الشريفة الصريحة في أن هذه الرغبات الكاذبة الموجودة فينا نحن أهل الدنيا وأهل المعصية ، تجاه هذه الحياة ، فاسدة وباطلة ، وتعتبر من الأهواء الشيطانية ، ومخالفة للعقل والنقل .

وتنضم إلى تلك الأحاديث ، الآيات الكريمة القرآنية مثل قوله تعالى «كل نفس بما كسبت رهينة» (2) وقوله تعالى : «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» وقوله تعالى : «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» (3) وغيرها من الآيات الشريفة الموجودة في كل الاربعون حديثا :509

صفحة ٥٠٨