299

الاربعون حديثا

تصانيف

خالصة . إلا أنها إذا لم تكن خالصة من الرياء والشرك الظاهري الملكي وهو الرياء المذكور لدى الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم كانت باطلة وغير مجزية ظاهرا في منطق الفقه . وإن لم تكن خالصة من الشرك الباطني ، فهي وان كانت صحيحة ومجزية حسب ظاهر الشرع والحكم الفقهي ، ولكنها ليست بصحيحة حسب باطن الشرع والواقع وفلسفة العبادة ، وغير مقبولة لدى الذات المقدس . فلا ملازمة بين صحة العبادة وقبولها ، كما أشير الى ذلك كثيرا في الاخبار المأثورة عن اهل البيت عليهم السلام . والتعريف الجامع للشرك في العبادة ، الشامل لكل مراته هو : إدخال رضى غير الحق في العبادة . سواء كان رضا غير الحق رضى نفسه أو غيره . إلا انه اذا كان ادخالا لرضا غير نفسه من الناس في العبادة ، لكان شركا ظاهريا ورياءا فقهيا . وإن كان رضا نفسه كان شركا خفيا وباطنيا ، والعبادة باطلة ، ولا تعد بشيء لدى اهل المعرفة ، ولا تكون مقبولة لدى الحق سبحانه .

مثلا من يؤدي لسعة رزقه صلاة الليل ، او ان يتصدق لدفع البلية ، أو يقدم الزكاة لتنمية أمواله ويأتي بهذه العبادات من أجل الحق تعالى ، ولكنه يسأل ربه أن يهب له تلك الامور ببركة تلك العبادات ، هذه العبادات وإن كانت صحيحة ومجزية ، وتترتب عليها تلك الآثار ايضا إذا اشتملت هذه العبادات على أجزائها وشرائطها . ولكنها لا تكون عبادة للحق المتعالي وغير محتوية للنية الصادقة والإرادة الخالصة . بل إنها عبادة لتعمير الدنيا ولنيل الرغبات النفسية الدنيوية ، فلا يكون عمله مصابا . كما أن العبادات إذا كانت نتيجة الخوف من نار جهنم ، والشوق الى الجنة ، لما كانت خالصة للحق سبحانه ، ولما ضمنت النية الصادقة ، بل نستطيع ان نقول إن مثل هذه العبادات خالصة للشيطان والنفس ، لأن الانسان الذي يقوم بمثل هذه العبادات لأهداف دنيوية او الفزع من جهنم لم يدخل رضى الحق سبحانه في عبادته البتة ، حتى يتحقق الشرك ، وإنما عبد الصنم الكبير فقط (إن أم الاصنام هي صنم النفس) .

ان الله سبحانه يقبل أمثال هذه العبادات نتيجة عجزنا ونتيجة رحمته الواسعة ، بدرجة واحدة ، بمعنى أن هناك آثار تترتب على هذه العبادات ، ومكافآت في مقابلها ، فلو أن الانسان عمل بتلك الشرائط الظاهرية ، ومع توجه القلب وحضوره ومع شرائط قبول الاعمال ، ترتبت الآثار كافة عليها وأنجزت تلك المكافآت الموعودة .

هذا هو حال عبادة العبيد والاجراء . وأما عبادة الاحرار الذين يعبدون الله لحبهم الحق ألمتعالي ولبحثهم عن الذات المقدسة ، ولا يعبدونه من أجل الخوف من نار جهنم أو الشوق الى الجنة ، فهذه العبادة أول مقام الاولياء والاحرار . ولهم مقامات ومعارج أخرى لا يمكن ذكرها . فما دامت النفس تلتفت الى العبادة والعابد والمعبود ، لم يتحقق الخلوص . يجب ان يخلو القلب من الغير ولا ينفذ فيه أحد غير الحق حتى يكون خالصا . كما ورد في الحديث الاربعون حديثا :304

صفحة ٣٠٣