دمشق بصورة أدق منها في حلب. وكان معظمهم يعيشون في أحياء خاصة من المدن والقرى. وبينما كان بعض المسيحيين يتعاطون الزراعة في بعض الأمكنة، كان معظم المسيحيين واليهود يقيمون في المدن ويختصون فيها ببعض التجارات والحرف والمهن. وكان بعضهم يحتل بالفعل مراكز نافذة، ويلعب دورًا جوهريًا في حياة الدولة، كصرافي القسطنطينية الأرمن، وصرافي بغداد اليهود، وعائلات حي الفنار اليونانية التي كانت تقوم بأعمال الترجمة في المفاوضات الأجنبية أو تحكم ولايات رومانيا.
أما في حقل التنظيم المهني، فكانت أهم المؤسسات نقابات التجار وأصحاب الحرف. ويرقى تاريخ هذه النقابات إلى ما قبل عهد العثمانيين بزمن طويل. ولما كانت، فيما يبدو، تتحدر من أصل إسماعيلي وعلى اتصال طويل بفرق الإسلام المنحرفة وبأصحاب الطرق الصوفية، فقد خشي من أن تشكل خطرًا على الدولة الحريصة على سنيتها. لذلك وضعت تحت مراقبة الحكومة الشديدة. وكان رئيس النقابة المحلي ينصب رسميًا ويعتبر مسؤولًا عن الحفاظ على ولاء أعضائها. إلا أن هذه النقابات كانت، ضمن هذه الحدود، تتمتع بالتساهل معها وتحتل بالفعل مركزًا اجتماعيًا محترمًا.
وعلى هذا الغرار، كانت القرية تشكل وحدة اجتماعية مسؤولة بمجموعها عن تأدية الضرائب وعن جرائم أعضائها. وكان يعترف رسميًا بشيخ القرية. كذلك كان يعترف رسميًا أيضًا برؤساء القبائل البدوية، أو على الأقل برؤساء تلك القبائل التي كانت على قرب كافٍ من الأماكن الحضرية يجعل من الممكن فرض رقابة ما عليها، مهما خفت. وكان الشيوخ ينصبون رسميًا أيضًا، ويقلدون ألبسة شرفية، ويمدون بالمساعدات المالية ليتركوا قوافل الحجاج أو التجار تمر بأمان. لكن الدولة كانت تقوم، عند الاقتضاء، بغارات تأديبية عليهم أو تحرض فئة أو قبيلة ضد أخرى. لقد كانت الإمبراطورية، قبل كل شيء، إمبراطورية مدن، ورثت
1 / 47