ولم يكن مجلسه كله مقامات ودروسا ومطارحات، بل كان من طرائفه أنه يعرف ألعاب الحواة ، ويبتدع الملح والفكاهات، وكان مولعا بشيخ معمر جاوز الثمانين اسمه «علوب»، لا يفتأ يناوشه ويستثيره ويحرك غيظه؛ ليستمع إلى ردوده الساذجة التي لا يبالي فيها بكبير ولا صغير.
ومن دعاباته معه أنه كان يقسم له لئن وصل من مكانه إليه قبل أن يفرغ من عد «خمسة» ليعطينه قطعة بخمسة ...
وقطعة بخمسة في ذلك العصر شيء مهول عند «علوب».
ثم يأخذ القاضي الجداوي في العد، فيطيل نفسه «بالواحد» حتى تستغرق ثواني كثيرة، والسلحفاة تطمع في الوصول من أول المجلس إلى آخره إذا استمر العد على هذه النغمة، فيتحرك الطمع في صدر «علوب».
ويدس قدميه خفية في النعال ليفاجئ القاضي بالجري إليه قبل أن يفرغ من عده.
فما هو إلا أن يخطو خطوتين أو ثلاثا، وينطلق في جلاله ووقاره عاديا مهرولا حتى يسرع القاضي، فيأتي على بقية الخمسة عدا في نفس واحد.
فيحوقل الشيخ، ويصيح به: «والله ما أحسبك تعلمت الفتاوى الشرعية إلا لتأكل على «علوب» هذه الخمسة القروش.»
وربما تمادى القاضي في إطماعه عمدا فيستمر في عده على النغمة الأولى حتى يصل إليه «علوب»، ويكسب الرهان، ويعترف له القاضي بالهزيمة، ويأتي دور التسليم بعد البحث في الجيوب من اليمين والشمال، و«علوب» واقف بالانتظار ...
ويطول البحث في الجيوب و«علوب» ضاحك متهلل ضحك الشماتة والانتصار، ثم يصيح به القاضي وقد أطال لهفته، وأثار طمعه: «خذ يا شيخ، بارك الله لك فيما أعطاك.»
ويدس في يده شيئا فيرتاع «علوب»؛ لأنه يحس في يده خمسة مليمات لا خمسة قروش.
صفحة غير معروفة