ومن العيد تعلمنا مفارقات النفوس في الأسرة الواحدة، علما يسبق كل ما عرفناه بعد ذلك من قوانين الوراثة في ذمة السيكولوجيين والبيولوجيين.
تعودنا أن نزن الأقدار في بيئتنا «العائلية» بمقدار العيدية التي كانت تتفاوت من خمسة قروش على الأكثر إلى خمسة مليمات على الأقل.
وكان لنا من الأقارب، والمعارف غير الأقارب، ذخيرة وافية للرقابة النفسية من الإخوة الأشقاء.
أخوان شقيقان يتشابهان أقرب الشبه في الملامح والأزياء، هذا يمنح القروش الخمسة، وذاك لا يزيد على الخمسة مليمات، وهذا بشوش مازح، وذاك عبوس صارم، وهذا ثرثار لا يفرغ من الحديث، وذاك صموت نزر الكلام ...
ولكنا - مع الإيمان بصحة الميزان الذي يفرق بين خمسة قروش وخمسة مليمات - قد تعلمنا مبكرين أن النقود ليست هي الميزان الوحيد لأقدار المعيدين ...
إذ كان من أولئك المعيدين صديق للأسرة لا يبذل مليما، ولا يسكت مع هذا عن مسألة العيدية بحذافيرها مداراة لإفلاسه ... بل يلقانا مبادرا بطلب العيدية منا، ونفهم منه - بداهة - أنه يمزح، ولا ينتظر منا أن نعطيه، ولا ننتظر منه أن يعطينا.
إلا أنها فاتحة للمعايدة لا بد منها، ثم تتبعها أدوار متلاحقة من الفوازير والألغاز الحسابية أو اللغوية، وأدوار أخرى من محاكاة القطط والكلاب والخرفان والحمير.
ولم نكن نحن نطلب «عيدية» من أحد يبذلها أو لا يبذلها، ولكن أبانا - رحمه الله - كان حريصا على أن يحذرنا من طلب العيدية خاصة من هذا الصديق؛ لأنه «على قد حاله» كما كان يقول، فكان هذا الصديق «الذي على قد حاله» على رأس القائمة بين المنتظرين من المعيدين، وكنا نميزه بالحصة الوافية من ضيافة الأعياد: قرفة، وكعك، وبقايا المكسرات من رمضان ...
وقد كان في ذهني درس من دروس العيد يوم قرأت مذهب «أبي العلاء» في ظلم الضعفاء والأقوياء، فرحبت به، ولم أستغربه وهو غريب لا تقدر على هضمه معدة الطفولة، كقوله:
ظلم الحمامة في الدنيا وإن حسبت
صفحة غير معروفة