187

ذوائبه حتى يقال غدير

فالواعية الفنية وحدها هي التي تغريه بوصف حقل من حقول الكتان التي مرت بألف شاعر منذ الخليقة ولم يلتفتوا إليها؛ لأن حقل الكتان لا يحسب من موضوعات الوصف التقليدية بين شعراء التقليد، فليس هو بروضة من رياض الورد والياسمين، وليس هو بستانا من بساتين الفاكهة والثمرات، ولا هو بمنزه من منازه الحسان، أو موعد من مواعيد الغرام ... فانظر كيف علق هذا المنظر بوعيه اللاقط المستوعب، وكيف أحصى عليه كل ما يحصيه التصوير في شرط النقد الحديث، بعد طول المشاهدة والمراجعة لآيات الأساتذة من نوابغ التصوير ... واذكر كيف صنع ذلك بداهة وابتداعا غير عامد ولا متنبه، وهم يتعمدون ما يسجلون من ملاحظات النقد، ويتنبهون إليه.

فالنقد الحديث يشترط على المصور النافذ البصر والبصيرة أن يستوعب المنظر فلا يفوته اللون ولا الملمس ولا الزمان، ولا جو المكان، ولا الحركة التي تشيع فيه إن كانت فيه حركة ، أو السكون الذي يشمله إن كان به سكون ...

وكل أولئك تجده في البيتين الاثنين مطبوعا منقولا إليك نقل البداهة عن تلك الواعية المستوعبة التي لا تفوتها مدركة من مدركات الحس والخيال: لمح اخضرار اللون، ونعومة الملمس، وأحاط بوقت الصورة كما مثلت أمامه فهو وقت الوسن، وأحاط بجو المكان فهو المكان الذي يظل عليه رباب مسف فويق الأرض يؤذن بالمطر القريب، وأحاط بالحركة، وبمصدرها من ريح الشمال، فإذا رءوس الشجر تموج بالحركة الذاهبة الآيبة فكأنها صفحة غدير، لا موضع لنقص في الصورة، ولا محل فيها لزيادة، وليس أصدق من الوعي الذي أحسن اللقط، وأحسن التمثيل في لمحة عين، وفي بيتين اثنين. •••

مثل هذا المقياس التي تقاس به الواعية الفنية لم يكن مقياس أولئك النقاد الذي جهلوا فضل ابن الرومي، وأشادوا بفضل سواه، ولو أنهم تتبعوا مئات الأبيات من شعره - بل ألوفها - على هذا المنوال لعلموا أنه مغبون - جد مغبون - حين يقرن بشاعر من شعراء العالم كائنا ما كان في هذه الملكة الفريدة ... فكيف بالغبن الذي يصيبه إذا قدموهم وأخروه، وأشادوا بفضلهم وأنكروه!

أثارني هذا الظلم فآليت لأدفعنه عنه، فإذا بصحبي يثنونني عن إنصافه وهم وجلون، ولئن كانوا غير جادين لقد كانوا كذلك غير مازحين، فما لقيني أحدهم مشتغلا به إلا صاح بي: حذار حذار، إنه مركب غير مأمون العثار! ... والرجل موصوف ببأسه في شؤمه، فلا شأن لك بإنصافه وظلمه، ودعه لقضائه، واقنع بأنك من قرائه، فقد يتحداك شقاؤه إذا تهجمت على حرمة شقائه!

وكانت ثورة فأصبحت ثورتين: لقد ذل من يخاف ذلك الشؤم المعتز بجبروته، ولقد طغى ذلك الشؤم الذي يسطو على فريسته في حياتها وبعد مماتها، ثم ينذر بالنقمة من يتصدى لغوثها، فإذا أنصفنا الشاعر المغبون، وغضب الشؤم الواقف له بالمرصاد، فليصنع الشؤم إذن ما يشاء.

وسكنت هذا البيت ورقمه ثلاثة عشر، ووضعت فيه التليفون ورقمه يومئذ مبدؤه بثلاثة عشر، وجعلت أسأل الشؤم في كل دعوى من دعاويه، وأولها دعواه الكبرى على البومة المسكينة: ما لهذه الطريدة المظلومة وهي قد تركت الدنيا والنهار للإنسان، ولاذت منه بالليل والخلاء؟! وما عيبه عليها وهي أوفى الطيور في عشرة الأليف منها للأليف؟! أليست هي إحدى الأحياء النادرة التي يسكن الزوج منها إلى زوجه مدى الحياة؟! أليست هي التي تغني لنور القمر ولعزلة الليل ولا تقحم صوتها على من يأباه؟! ... ألم تكن عند الأثينيين - وهم عباد الجمال - رمزا للمدينة ينقشونه على الدراهم مع أغصان الزيتون؟! ... فإذا جنى الظلم على سمعتها، ولاحقها الظلم في خلوتها، فليصنع ما بدا له فإننا نتلقاه منها باثنتين لا بواحدة؛ لأنها لا تحب الفراق، وإن زعموها نذير الفراق ... •••

قال صاحبي: وكيف رأيت العاقبة؟

قلت: خير بعد شر، وفلاح بعد كفاح، فلا أخفي عليك يا صاحبي أن أمر ابن الرومي في سمعته تلك أمر عجيب مفرط في العجب، وأنني لو صدقت خرافة من الخرافات لصدقت خرافة الشؤم والتشاؤم، وصدقتها في ابن الرومي هذا قبل غيره. فما حدث منه قد شهدته بنفسي، وخبرته في صحبي، ولم أعتمد فيه على رواية الأقدمين، وعلى مبالغات المتندرين؛ لأنني تعاقدت على طبع كتابي عنه مع مدير المطبعة، فمات هو وسجنت أنا قبل الفراغ من ملازم الكتاب الأولى، وكان وزير المعارف «أحمد حشمت» قد أوصى بطبع ديوانه، وأقام على تصحيحه مفتش اللغة العربية في الوزارة، فعزل الوزير والمفتش وماتا قبل الفراغ من جزئه الثاني، وكتب المازني فصولا عنه فكسرت رجله، ونشر صاحب الثمرات قصائد من ديوانه فكسرت رجله، وهم صاحب البيان بنشر مطولاته والعناية بأخباره فتعطلت مجلة البيان، فلو كانت هذه المصادفات أسبابا يؤخذ بها وترتبط بنتائجها لكان الشؤم المزعوم حقيقة من الحقائق العلمية التي لا شك فيها، ولكنها مصادفات سيئة تقترن بها مصادفات حسنة، ولا يجوز لنا أن نركن إلى هذه، ولا إلى تلك على انفراد، فقد أنجزت كتابي عن ابن الرومي فكانت السنة التي ظهر فيها من أسعد السنوات في حياتي الخاصة، وأبرزها في حياتي العامة، وسلك الكتاب سبيله بين مراجع الأدب المعدودة في هذا الجيل، فإن كان الشؤم على صولته التي يتخيلونها فقد تحديناه ، ونجحنا في تحديه بحمد الله.

صفحة غير معروفة