ولما فرغ الكاتب من كتابة الرسالة قدمها إلى المجلس، فوقع عليها كل منهم بإمضائه، وسلمها الحصان مختومة إلى الخفر قائلا: خذ الثعلب تحت الحفظ إلى السجن، وسلم هذه الرسالة إلى صاحبها؛ فنحن - والحمد لله - قد تممنا وظيفتنا، ونقدر أن نقول براحة وسرور وضمير مستقيم: إننا أبرياء من دم هذا الصديق؛ فلتكمل مشيئة الله.
الحمار :
وسيرى الثعالب أي منقلب ينقلبون.
البغل :
فلتكمل مشيئة الله.
وارفض المجلس عندئذ، وخرج جميع الحيوانات متهللين فرحين وهم ينتظرون أن يشاهدوا عن قريب إحراق الكافر المسكين.
أما الثور فإنه عندما وصله الكتاب فضه وقرأه، ثم صادق عليه وناوله للجلاد ليعمل بموجبه، وأعطى الثعلب فرصة عشرة أيام ليتفكر في أمره؛ لعله يرتد عن غيه وينكر اعتقاده.
وكان الثور يذهب كل يوم إلى الثعلب في سجنه ويحاول إقناعه، ولكنه لم يظفر بأرب؛ إذ إن المحكوم عليه بقي مصرا على عناده، متشبثا بآرائه، ومحافظا على ما كانت تدعوه إليه استقامة ضميره التي أفضت به إلى الموت احتراقا. وبعد أن مضت المدة المعينة وجاء صبح اليوم الحادي عشر، ذهب الجلاد مع أعوانه إلى الساحة العمومية في المدينة، وأضرموا هنالك نارا متأججة، وجاءوا بالمحكوم عليه راسفا بسلاسل الحديد، محاطا بالخفر، وأوقفوه على دكة عالية تشرف على النار المضطرمة بالقرب منها، وكانت الحيوانات قد ازدحمت في الساحة العمومية، ومن جملتهم الحصان والحمار والبغل، الذين أتوا ليروا هذا المشهد المرعب، ويتلذذوا بثمرة أعمالهم الصالحة.
ولم يكن بين كل هذه الخلائق المحتشدة ثعلب واحد؛ لأن الحكومة كانت قد اتخذت كل الاحتياطات لمنع المظاهرات الثعلبية، وأعلنت أنها تستخدم القوة في هذا اليوم لقمع كل عنيد مكابر يحاول أن يثير الخواطر، ويدس الدسائس؛ فبقيت الثعالب في بيوتها، واحتملت المصيبة بقلب مملوء من الخوف والحنق.
وكان السرور والابتهاج يشملان كل الجماهير المحتشدة؛ إذ إن أكثر الحيوانات كانوا يكرهون الثعالب الكافرة، ويعتقدون بأن وجودهم مضر بالصالح العمومي، فشكروا المجلس الذي أصدر الحكم، والقاضي الذي صادق عليه، وجاءوا الآن ليسدوا شكرهم الجزيل إلى الجلاد الذي ينفذه.
صفحة غير معروفة