51
ومن المعلوم أن أرسطو قد ميز العامل الفعال في هذا الإمكان، وهي الصورة، أو الأنتيليخيا
Entelechy ، التي تحقق ذاتها «وكمالها الأول» عن المادة، بحيث وضعهما في شكل الثنائية التقليدية بين الصورة والمادة. ومن المعلوم أيضا أن هذه الثنائية قد تراجعت تراجعا ملحوظا عند عدد كبير من فلاسفة العصور القديمة والوسيطة والحديثة، وأنها عانت من الصراع المستمر بينهما لتقديم أحدهما على حساب الآخر عند عدد كبير أيضا من الفلاسفة. ومن الطبيعي أن نجد بلوخ يتابع مفهومه عن الإمكان الواقعي (أو المادة الفعالة حاملة الصور في داخلها) عند الفريق الأول الذي تخطى تلك الثنائية ووحد بين المادة والصورة أو بين الإمكان السلبي والإمكان الإيجابي الفعال أو الواقعي.
فالمتكلمون المسلمون يرفضون بطبيعة الحال أن يوحدوا بين الإمكان والمادة، ومن ثم يحولون هذه المادة إلى عدم مطلق خلق الله العالم منه بقدرته وإرادته، ثم يضع بلوخ بعض فلاسفة الإسلام والمسيحية واليهودية - مثل ابن سينا وابن رشد وأمالريش البيني
52
وابن جبيرول
53 (1020-1069 / 1070م) ضمن القائلين بوحدة الوجود المادية، ويزعم أنهم جعلوا المادة (أي الإمكان الواقعي) أساس العالم، بل جعلوا فعل الخلق الإلهي لحظة من لحظات المادة ووحدوا في النهاية بين المادة والألوهية. بل إن بعضهم في رأيه - مثل ابن رشد - قد اعتبر أن تطور العالم (أو حركته) هو ظهور الصور من المادة، وأن المادة نفسها هي التي تعطي الصور وبذلك يصبح الخلق - بعد استبعاد ثنائية الصورة والمادة - حركة ذاتية أو إخصابا ذاتيا تقوم به المادة الإلهية التي يكمن فيها الإمكان بغير حاجة إلى محرك أول من خارج العالم.
وتتجدد هذه النزعة المادية في عصر النهضة الإيطالية مع جوردانو برونو (1548-1600م) فيغدو العالم بأكمله تحقيقا واقعيا للإمكانات. وتلتقي الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة في السماء وفي الأرض، وفي الأعلى والأسفل، أي في المادة الدائمة، الأزلية، المبدعة، المادة الأم. بذلك تصبح المادة التي تطور مفهومها على يد برونو تطورا جسورا هي «حامل» الإمكان الواقعي أو قوامه، وهي مصدر الصور ومنبعها لا مجرد وعاء حاو لها «ولهذا يجب أن تحتفظ المادة، التي تظل خصبة على الدوام، بحقها المتميز في أن تكون هي المبدأ الجوهري الوحيد، وأن يعترف بها بوصفها هي التي توجد وتبقى. ولهذا انتهى بعض أولئك الذين بحثوا مسألة الصور في الطبيعة - بقدر ما فهموها عن أرسطو وغيره ممن يسايرونه في اتجاهه - إلى أن الصور ليست سوى تحديدات المادة، وأن الحق في التميز بالفعل والأنتيليخيا (الكمال الأول) يجب أن ينسب إلى المادة.»
54
هكذا نظر الفلاسفة السابقون إلى الإمكان الواقعي نظرة واقعية، واستخلصوا من ذلك - حسب تفسير بلوخ - النتيجة التي استهدفها منذ البداية من نظرته الحيوية والمستقبلية إلى المادة التي تشمل في رأيه الحياة والعقل وتمثل الرحم الخصب على الدوام والنزوع المستمر لإنجاب الصور والأشكال القابلة للتحقق في الواقع.
صفحة غير معروفة