الذكر والدعاء

الناشر

وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٢هـ

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

[مقدمة معالي الوزير]
الذكر والدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة بقلم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المشرف العام على المجمع الحمد لله القائل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] أحمده سبحانه وهو للحمد أهل، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين؛ أما بعد:
فإن ذكر الله - جل وعلا - من العبادات الميسورة التي لا عناء فيها ولا تعب، وتتأتى للعبد في معظم أحواله، ومع سهولتها ويسرها هي عظيمة الأجر، جليلة القدر، فعن أبي الدرداء ﵁ قال:

1 / 1

قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله» . أخرجه الترمذي (ح ٣٣٧٧)، وأحمد (٦ / ٤٤٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (١ / ٦٧٣) .
وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال يسبح مائة تسبيحة، فتكتب له ألف حسنة، أو تحط عنه ألف خطيئة» صحيح مسلم (ح ٤٨٦٦) .

1 / 2

وليس هذا فحسب بل إن الذكر يفتح على القلب أنواعا من الفضائل وجملة من الطاعات، كما أن دوام ذكر الرب تعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] وإذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها، واشتغل عنها، فهلكت وفسدت، ولو لم يكن من فوائد الذكر إلا هذه الفائدة لكفى؛ فما الظن إذا أضيف إليها عدد من الفوائد ومنها:
ذكر الله للعبد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
ومنها: «أن النبي ﷺ قد سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله» . أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص٧٢ (٢٨١) والطبراني في الكبير ٢٠ / ٩٣.

1 / 3

وجاء عن معاذ ﵁ مرفوعا «ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ﷿» رواه الإمام أحمد (٥ / ٢٣٩) .
ومنها: أنه يرضي الرحمن جل وعلا، ويجلب للقلب الفرح والسرور كما أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره ويزيل الهم والغم عن القلب.
ومن فوائد الذكر: أنه يورث القلب المراقبة والإنابة، ويزيل الوحشة بين العبد وبين ربه ﵎، وغير هذا من الفوائد كثير حتى قال ابن القيم في الوابل الصيب: وفي الذكر أكثر من مائة فائدة فهو مفتاح لكل خير يناله العبد في الدنيا والآخرة فمتى أعطى الله العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله بقي باب الخير مرتجا دونه.

1 / 4

ومن أجل هذه المعاني كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه في ليله ونهاره، وسره وإعلانه، وعند الخاصة والعامة، وكان يذكر الله إذا أوى إلى فراشه، أو أراد جماع أهله، أو أراد دخول الخلاء أو بعد الخروج منه، أو عند الوضوء أو بعده، أو بعد الصلاة، أو عند المطر، أو عند هبوب الريح، أو عند لبس الثوب، أو عند الدخول إلى المسجد، أو الخروج منه، وغير ذلك من أحواله ﷺ.
واعلم أن الذكر باللسان محبوب في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها.
والذكر يؤثر على القلب فيأنس الذاكر بربه وخالقه، ويشتغل بما ينفعه ويصلح تعبده، وينتهي عما يغضب الرب ﵎ فتصلح الجوارح بعد ذلك فلا نظر إلا فيما يرضي الله، ولا سمع إلا لما يحبه الله، ولا مشي إلا لمراضي الله، ولا بطش إلا لله؛

1 / 5

فيكون العبد لله وبالله، وتنفتح له أبواب الخيرات من الفضائل والعبادات، وتوصد دونه أبواب الشر والمنكرات.
وهذا ما عرف عن السلف الكرام، والأئمة الأعلام. . . أنهم كانوا للخير سباقين، وعن الشر معرضين، وما ذاك إلا لأنهم اشتغلوا بذكر الله جل وعلا في أكثر أحوالهم، يقول شيخ الإسلام: " الذكر للقلب كالماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ " مجموع الفتاوى (١٠ / ٨٥) .
والذكر منه ما هو ثناء نحو:
سبحان الله. والحمد لله. ولا إله إلا الله. والله أكبر.
ومنه ما هو دعاء نحو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]
ويا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ونحو ذلك.

1 / 6

والأذكار النبوية متضمنة للثناء على الله، والتعرض للدعاء والسؤال؛ كما في الحديث: «أفضل الدعاء الحمد لله» قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاء؟ قال: أما سمعت قول أمية بن الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله:
أأذكر حاجتي، أم قد كفاني ... حباؤك؟ إن شيمتك الحباء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
فهذا مخلوق. واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله، فكيف برب العالمين؟ . " اهـ مدارج السالكين (٢ / ٤٥٢ و٤٥٣) بتصرف.
والأذكار تتفاوت فضائلها بتفاوت معانيها فذكر الله بكلمة التوحيد " لا إله إلا الله " التي لأجلها خلق

1 / 7

العالم، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وقام سوق الجنة والنار، وانقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، أعظم أجرا، وأجل قدرا مما سواه، قال ﷺ: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» أخرجه الترمذي (ح ٣٣٨٣)، وابن حبان في صحيحه (ح٨٤٦) .
والذكر أقسام ودرجات فإذا كان بالقلب واللسان فهذا أفضله، وإذا كان بالقلب وحده فمنزلة دون ذلك، وإذا كان باللسان وحده فمنزلة دون ما تقدم، والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه؛ فالتدبر في الذكر مطلوب.
قال النووي ﵀: " اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله

1 / 8

تعالى "، كذا قاله سعيد بن جبير ﵁، وغيره من العلماء.
وقال عطاء ﵀: " مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا " الأذكار (ص ٩) .
وسئل أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به من الذاكرين كثيرا والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساء في الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهارا كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، والله أعلم.
وينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالسا في موضع استقبل القبلة، وجلس متذللا متخشعا بسكينة ووقار.

1 / 9

ولا شك أن الذكر مأمور به، وهذا الأمر بذكره يكون مطلقا ومقيدا، فهو مطلق بالنسبة للأزمان، ومقيد بالنسبة للعبادات، فكما أنه لا يجوز لأحد أن يقول لا إله إلا الله ألف مرة في السجود أو الركوع لأنه خرج عن رسم الشريعة مع دخوله في العموم؛ فكذلك لا يجوز له أن يأتي بذكر في موطن جاءت السنة بالذكر فيه على نحو معين، بخلاف ما جاءت به السنة.
ولأجل أهمية الذكر ومكانته وعظيم منزلته فإن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية يسرها أن تقدم لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها هذا الكتاب: " الذكر والدعاء في ضوء الكتاب والسنة "،

1 / 10