الرواية الأم: ألف ليلة وليلة في الآداب العالمية ودراسة في الأدب المقارن
تصانيف
يعتبر النقاد هذه الرواية أول قصة تتخذ النمط الشرقي أساسا لها وتكون لها قيمة أدبية حقيقية. ومؤلف الرواية، وعنوانها الأصلي
VATHEQ ، هو وليام بكفورد (1760-1844م) كان ابنا لأحد أغنى تجار إنجلترا ممن انخرطوا كذلك في العمل السياسي، وأراد أن يسير ابنه على خطاه في كلا المجالين. بيد أن الابن كانت له اهتمامات مغايرة، ويعيش في عالم خاص به وحده، إذ أبدى شغفا منذ صغره بكتب الخيال الشرقي التي كانت ذائعة أيامه، وخاصة كتاب ألف ليلة وليلة الذي تكاثرت نسخه المترجمة إلى الإنجليزية منذ صدور الطبعة الفرنسية لها عام 1704م. كذلك اهتم بكفورد باقتناء الرسوم الهندية والفارسية التي تجسم تلك القصص والحكايات الشرقية والعربية خاصة. وحاول والده أن يقصيه عن تلك الاهتمامات التي كانت تشكل شخصيته في مهدها، إلا أن وفاة والديه المبكرة تركت لويليام بكفورد حرية التصرف في حياته كيفما يشاء، تحت إشراف المربين الذين كانوا ينفذون له كل رغباته. وكان الاحتفال الذي أقامه بمناسبة عيد ميلاده الحادي والعشرين مضرب المثل في غرابته، إذ جمع ما بين تهاويل ألف ليلة والأحلام المشرقية كما يتصورها الغربيون، بكل ما فيها من بذخ وإسراف ومبالغات.
ويزعم بكفورد أنه كتب روايته «الواثق» في ثلاثة أيام وليلتين فحسب؛ وحتى إذا كان ذلك صحيحا، فهو قد قضى وقتا أطول في تنقيحها وإعدادها للنشر. وليس هناك من شك في أنه قد تأثر في كتابتها بألف ليلة وليلة، فهو قد كتبها أولا بالفرنسية؛ اللغة التي ظهرت بها ألف ليلة لأول مرة في الغرب، كما أن تنقيح الرواية قد تزامن مع تعاون بكفورد مع أحد الأتراك ويدعى «سمير» في إعداد ترجمة حرة إلى الفرنسية لمخطوط مجهول به بعض قصص ألف ليلة وليلة، كان قد جلبه إلى إنجلترا الرحالة والمستشرق «إدوارد وورتلي مونتاج». ولم يتم نشر تلك الترجمة التي تحتوي على «قصة الحاسد والمحسود» و«أنس الوجود» إلا عام 1992م في باريس.
وقد تسببت فضيحة أخلاقية في مغادرة بكفورد إنجلترا إلى الخارج حتى عام 1796م، حين عاد وأقام في ضيعته قصرا مهيبا على شكل الصليب، يخفيه عن الأنظار جدار طوله 12 ميلا بارتفاع 12 قدما. وعاش بكفورد في هذا القصر الأسطوري كما يعيش الأباطرة والخلفاء الذين كتب عنهم!
وقد كتب بكفورد رواية «الواثق» حوالي عام 1782م ونشرت لأول مرة بالإنجليزية عام 1786م وأضحت من فورها عملا كلاسيكيا في الأدب الإنجليزي. وهي تحكي قصة «خيالية» عن ملك يدعى الواثق، يقع تحت تأثير أمه التي تتعاطى السحر وتدعى «كارازيس»، فلا يصبح له هم إلا إرضاء رغباته، فيعقد اتفاقا مع مندوب إبليس - على نفس النحو الذي يفعله فاوست - الذي يعرض عليه أن يعطيه كنوز السلاطين الغابرين شريطة أن يقوم الواثق أولا بقتل خمسين طفلا، وهو عمل يضمن للواثق نار جهنم الأبدية. وينطلق الواثق في رحلة ينشد فيها أطلال مدينة «إيستاكار» حيث الكنوز الموعودة، ويلتقي في طريقه بالأمير فخر الدين، أحد أتباعه المخلصين، فيغوي الواثق ابنته «نور النهار» (لاحظ الأسماء الألف ليلية!) ويفر معها إلى غايتهما المنشودة. ويهبط الملك مع نور النهار إلى «قصر النيران المخبوءة»، حيث يجدان هناك بالفعل كنوز السلاطين الغابرين، مكومة تلالا تلالا، ويمر في وسطها جمهرة من الرجال يضعون أيديهم فوق صدورهم وتعلو وجوههم صفرة الموت. وبعد ثلاثة أيام، يمثل الواثق ونور النهار أمام إبليس، الذي يحكم عليهما بالتجوال في أنحاء تلك الأبهاء إلى الأبد وقلباهما يتأججان بشعلات النيران!
ويقول «كراكشيولو» عن رواية الواثق إنها «بغض النظر عن كتاب «راسيلاس»، لم ينجز عمل ذو عمق أدبي في إطار الأنواع الشرقية الأدبية إلى أن نشرت رواية الواثق. وقد استخدم بكفورد ألف ليلة وليلة، ومعرفته الوثيقة بمواد شرقية أخرى، كيما يخلق فانتازيا لم تظهر من قبل في أي من القصص التي سارت على نهج الحكايات الشرقية، من حيث قوتها وغرابتها وحسيتها القاسية.» ولم تفت الرواية النقاد العرب، فقد كتبت أستاذتنا الدكتورة فاطمة موسى بحثا عنوانه «بكفورد والواثق والقصة المشرقية»، وكتب الدكتور محمود المنزلاوي عن «الانتحال الشرقي في مرحلة انتقال: عصر الواثق»، ونشر البحثان باللغة الإنجليزية عام 1960م بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي عام على صدور الرواية.
ورواية «الواثق» - كما الأمر في رواية «مخطوط سرقسطة» التي ذكرناها في فصل آخر من هذا الكتاب - قد ساهمت في خلق ما أصبح يدعى «الرواية القوطية»
GOTHIC NOVEL . ويقول هوراس والبول (1717-1797م) نجم الرواية القوطية، مدافعا عن كتاب ألف ليلة وليلة في خطاب أرسله إلى «ماري بيري»، «اقرئي رحلات السندباد البحري وسوف تلقين مؤلف إينياس جانبا.» أما إليزابث جاسكل (1810-1865م)، فقد لعبت ألف ليلة دورا كبيرا في ثقافتها وفي صياغتها للروايات التي كتبتها والتي تزخر بالإشارات إلى الليالي وحكاياتها المشهورة. أما عن علاقة أدباء العصر الفيكتوري الإنجليزي بألف ليلة وليلة، فقد أوردناها كاملة في مقدمة هذا الكتاب. (3) البحث عن الزمن الضائع
ربما يثير إدراج هذا العمل الملحمي للروائي الفرنسي الشهير مارسيل بروست ضمن الأعمال التي تأثرت بألف ليلة وليلة دهشة القارئ. ولذلك أبادر بالقول بأن قصص ألف ليلة كانت من أوائل الحكايات التي استمع إليها بروست وهو طفل من والدته وهي تتلوها عليه قبل النوم، خاصة قصص «علي بابا والأربعون حرامي» و«مصباح علاء الدين السحري» و«النائم اليقظان». وبعد ذلك، بعد أن شب بروست عن الطوق، عاودته الرغبة في قراءة الكتاب كله، فأرسلت له والدته نسخا من الترجمتين المعروفتين أيامها بالفرنسية: ترجمة «جالان» المهذبة، وترجمة «ماردريس» الكاملة، رغم تحفظ الأم الواضح تجاه الحرية التي اتخذها الدكتور ماردروس في ترجمة الكتاب.
وهكذا كانت «ألف ليلة وليلة» أحد كتابين تركا في نفس بروست أبلغ الأثر، والكتاب الثاني هو رواية الكاتبة الإنجليزية «جورج إليوت» المشهورة «طاحونة نهر فلوص»
صفحة غير معروفة