فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (16) والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما (17) إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة
( فأمسكوهن ) حبسا ( في البيوت حتى يتوفاهن ) أي يأخذهن ويستوفيهن ( الموت ) وقد تكلف في الكشاف وتبعه الرازي إذ قدرا حتى يميتهن ملائكة الموت. وقد قدمنا الكلام في معنى التوفي في الجزء الأول ص 33 37 ( أو يجعل الله ) ويشرع ( لهن سبيلا ) من غير شريعة الحبس مما هو مؤدب ومقاوم لمادة فساد الزنا. وقد جرى الأمر في كلتا الشريعتين على حكمة التشريع من حيث المسايرة في أول الأمر مع الناس فيما يألفونه في مقام المحافظة على ناموس العفة وان كان غير واف بالمصلحة المطلوبة في هذا المقام حتى إذا استحكم أمر الدين وساد الخضوع للشريعة شرع الحكم الموافق للمصلحة العامة ونظام الاجتماع كما نطقت به رواية النعماني واشارت اليه الغاية في الآية الكريمة. هذا في مقام صون المرأة عن معاودة الزنا وأما ما يعود إلى مقام الردع والتأديب في أول التشريع فهو ما قاله جل شأنه 16 ( والذان ) أي الزاني والزانية ( يأتيانها ) أي فاحشة الزنا ( منكم ) باعتبار تلقي المسلمين لأحكام الشريعة حينئذ وان كان عاما أو لعلم الله بأن هذه الشريعة قبل نسخها لا يتيسر للمسلمين إجراؤها على غيرهم ( فآذوهما ) بما يعتاد بينكم نوعا من الإيذاء في مقام الردع عن الزنا من التوبيخ والضرب ونحو ذلك ( فإن تابا وأصلحا ) أعمالهما ليكون ذلك إمارة على التوبة الحقيقية ( فأعرضوا عنهما ) من حيث الإيذاء. ولا يتقيد الاعراض بتوبتهما معا. بل يعرض عن الإيذاء لمن عرفت توبته منهما بإصلاح عمله. كما تقتضيه حكمة التوبة ( إن الله كان ) من الأزل وإلى الأبد ( توابا ) على التائبين ( رحيما ) بعباده لا يريد إلا صلاحهم. ولكن لا يغتر المغترون باسم التوبة الجارية على حكمة الرحمة والإصلاح والاستصلاح بل التوبة حقيقة هي التي تجري عليها رحمة الله وحكمته. فما كل من قال تبت تاب الله عليه كما كتب بلطفه وغناه على نفسه الرحمة بل 17 ( إنما التوبة على الله ) بمقتضى رحمته ولطفه وحكمته ( للذين يعملون السوء بجهالة ) منهم. وذكرت الجهالة للتوضيح والتوبيخ فان كل عمل للسوء إنما يكون بجهالة وعمى ولو أبصر الإنسان وجه رشده وعرف ببصيرته ما فيه صلاحه لما عمل السوء ولما استولت عليه النفس الأمارة وغواية
صفحة ٥٧