(134) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (135) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون
تلكم الأمم الطاغية كيف قد صارت عاقبتهم للفناء والشتات والجلاء من الديار وذلة الأسر والقتل ولم يبق في ديارهم إلا الاسم 134 ( هذا ) الظاهر ان الآيات من قوله تعالى ( وإذ غدوت ) الى هنا سابقة على هذه الآية في نسق التنزيل فتكون الإشارة راجعة إلى مضامين تلك الآيات الكريمة وما احتوت عليه من المطالب العالية. او إلى مضمون الآية السابقة. ولأجل الشك من بعضهم في ترتيب النزول قال ان الاشارة إلى القرآن أقول وهو بعيد. إذ لو كانت الإشارة إلى القرآن لقيل هذا القرآن ونحو ذلك كما قيل في أمثال ذلك ( بيان للناس ) حتى من لا يهتدي ولا يتعظ ( وهدى ) موصلا الى الحق ( وموعظة ) تدعو الى الاتعاظ ( للمتقين ) لله فان البيان يؤثر فيهم الاهتداء والاتعاظ 135 ( ولا تهنوا ) ايها المسلمون بسبب ما أصابكم في يوم احد. وفي كتب اللغة الوهن الضعف. لكن المترائى من موارد الاستعمال انه نحو خاص من الضعف. وفي القاموس وتبعه صاحب المنار انه ضعف في العمل. فإن أراد ضعف العامل في عمله بأن يكون الوهن صفة للعامل فقد نسيا قوله تعالى ( إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ) وان أراد ضعف العمل او ضعف المعمول بأن يكون الوهن صفة للعمل او للمعمول من حيث انه معمول فقد غفلا عن هذه الآية وعن قوله تعالى ( فما وهنوا ) كما سيأتي قريبا ان شاء الله. والمراد لا يظهر عليكم اثر الضعف والخور ( ولا تحزنوا ) مما أصابكم ( وأنتم الأعلون ) وفي هذه الجملة وجوه «أولها» في التبيان ومجمع البيان والكشاف انها حالية فتكون كالاحتجاج عليهم في النهي عن الوهن والحزن بمعنى انكم رأيتم نصر الله لكم وعلوكم على عدوكم فقد كنتم نحو ربع المشركين فهزمتموهم وأثخنتم فيهم القتل في أول الحرب. ومع انكم طمعتم في الغنيمة واخليتم مراكزكم في الحرب وشعبكم الذي يحمي ظهوركم وانهزمتم تلك الهزيمة من الله وأنعم عليكم برسوله وثبات الصادقين في جهادهم فتراجعتم وانخذل المشركون وأحجموا عن قتالكم فإنكم الأعلون في هذا الحرب وخاتمتها مهما أصابكم بما كسبت أيديكم «ثانيها» احتمل في التبيان والمجمع ان تكون جملة «وأنتم الأعلون» ابتدائية أي لا تهنوا ولا تحزنوا ان كنتم مؤمنين وأنتم الأعلون فتكون
صفحة ٣٤٥