156

السيرة الحلبية إنسان العيون في سيرة الأمين المامون

الناشر

دار الكتب العلمية

رقم الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٢٧ هجري

مكان النشر

بيروت

يكلفهم بالإيمان بالله ﷿، فالعرب حتى في زمن أنبياء بني إسرائيل أهل فترة لأن تلك الرسل لم يؤمروا بدعايتهم إلى الله تعالى وتعليمهم الإيمان قال: نعم، من ورد فيه حديث صحيح من أهل الفترة بأنه من أهل النار، فإن أمكن تأويله فذاك، وإلا لزمنا أن نؤمن بهذا الفرد بخصوصه.
قال: وأما قول الفخر الرازي: لم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد معلومة، فجوابه أن كل رسول إنما أرسل إلى قوم مخصوصين، فمن لم يرسل إليه لا يعذب.
وجواب ما صح من تعذيب أهل الفترة أنها أخبار آحاد، فلا تعارض القطع، أو يقصر التعذيب على ذلك الفرد بخصوصه: أي حيث لا يقبل التأويل، كما تقدم، هذا كلامه.
هذا وقد جاء أنهم: أي أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة. فقد أخرج البزار عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل لنا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأن تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول:
ادخلوها داخرين، فقال النبي ﷺ: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما» .
قال الحافظ ابن حجر: فالظن بآله ﷺ، يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له ﷺ لتقرّ عينه ويرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جماعة من يدخلها طائعا إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن به أي بعد أن طلب منه الإيمان.
ومما استدل به الحافظ السيوطي على أن أبويه ﷺ ليسا في النار قال: لأنهما لو كانا في النار لكانا أهون عذابا من أبي طالب، لأنهما أقرب منه وأبسط عذرا لأنهما لم يدركا البعثة، ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب. وقد أخبر الصادق ﷺ أنه أهون أهل النار عذابا، فليسا أبواه ﷺ من أهلها. قال: وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.
وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من أهل بيته: أي ولا أحد من أشراف قريش إجلالا له، فكان بنوه وسادات قريش يحدقون به، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر: أي شديد قوي حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب: إذا رأى: أي علم ذلك منهم دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا، ثم يجلسه عليه معه، ويمسح ظهره ويسرّه ما يراه يصنع.

1 / 158