الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الناشر
دار الفكر العربي
رقم الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٣٩٨ هجري
ويأخذوا بالحديث . جاء في معجم ياقوت مسنداً إلى الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي، وقد سأله رجل عن مسألة، فقال يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا، فقال له يا أبا عبد الله أتقول بهذا، فارتعد الشافعي، واصفر لونه، وحال وتغير، وقال أي أرض تقلني وأي سماء تظلني، إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أقل: نعم على الرأس والعينين، ويقول الربيع أيضاً: سمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عنه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي، وجعل يردد هذا الكلام.
وهناك نوع من الإخلاص يختص الله به صفوة عباده الذين يكونون قدوة الناس، وأسوتهم، وهو الفناء في الفكرة التي اختص بها المؤمن، والإخلاص بهذا الشكل مرتقى صعب، ومطلب عزيز، فإن الذين يصاولون بالبيان، وينازلون بالحجة، ويقارعون بالدليل، ويندر فيهم من لم يدخله زهو ويناله حب علو، ولكن الشافعي كان من هذا القليل النادر، ولذا ما كان يغضب في جدال، ولا يستطيل بحدة لسان في نزال، لأنه يبغي الحق من جدله، ولا يريد به علواً، ولقد بلغ من زهده في جاه العلم، وإخلاصه لطلب الحق وفنائه فيه أن كان يتمنى أن ينتفع الناس بعلمه من غير أن ينسب إليه، فقد جاء في تاريخ ابن كثير أنه كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم، ولا ينسب إلى شيء منه، فأوجر عليه ولا يحمدوني، ولقد كسبه الإخلاص ذكاء قلب، ونبل غرض، وقوة نفس، وتباعداً عن الدنايا، وتسامياً عما لا يليق بالرجل الكامل، قال يحيى بن معين في وصفه: لو كان الكذب له مباحاً لكانت مروءته تمنعه أن يكذب، وهذا أسمى ما يصل إليه المخلص الصدوق.
40