المواقف في علم الكلام
محقق
عبد الرحمن عميرة
الناشر
دار الجيل
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٧ هجري
مكان النشر
بيروت
تصانيف
الوجه الثالث وإنما ينتهض حجة على من يعترف بأن الوجود متصور بالكنه ويدعي أنه بالكسب أنه لو كان الوجود مكتسبا فإما بالحد أو بالرسم لانحصار كاسب التصور فيهما والقسمان باطلان أما تعريفه بالحد فلأن الحد كما مر إنما يكون بالأجزاء والوجود بسيط فلا يكون له حد وإلا أي وإن لم يكن بسيطا بل مركبا فأجزاؤه إما وجودات فيكون الجزء مساويا للكل في الماهية أو لا تكون أجزا ؤه وجودات بل ما ليست بوجودات فعند الاجتماع بين تلك الأجزاء التي كل واحد منها ليس وجودا لا بد أن يحصل أمر زائد على تلك الأجزاء وإلا أي وإن لم يحصل عند الاجتماع أمر زائد فلا وجود هناك أصلا إذ ليس ثمة إلا تلك الأجزاء التي ليست وجودات ويكون ذلك الأمر الزائد الحاصل عند اجتماع الأجزاء الذي هو الوجود عارضا لها مسببا من اجتماعها فتكون هي أي تلك الأجزاء علل الوجود ومعروضاته لكونه مسببا من اجتماعها عارضا لها لا أجزاءه فيكون التركيب في فاعل الوجود أو قابله لا فيه والمقدر خلافه وقد يقال لو كان للوجود أجزاء فتلك الأجزاء تتصف إما بالوجود فيكون الكل صفة للجزء لكن أو بالعدم ذلك الجزء لا يكون صفة لنفسه بل يكون صفة لسائر الأجزاء فلا تكون الصفة بتمامها صفة فيلزم حينئذ اجتماع النقيضين وقد يقال لو كان للوجود أجزاء فتلك الأجزاء إما أن تتصف بوجود مع أو بعد أي مع الوجود الذي هو المركب أو بعده فليس الجزء بحسب وجوده متقدما على كله بل هو إما معه أو متأخر عنه أو يتصف بوجود قبل أي قبل الوجود الذي هو المركب فيتقدم الشيء أي الوجود على نفسه أو لا تتصف تلك الأجزاء به أي بالوجود فلا شك أنها تتصف بالعدم فالوجود محض ما ليس له وجود أعني تلك الأجزاء التي لم تتصف بالوجود وأما تعريفه بالرسم فلوجهين أحدهما أن الرسم لا يفيد معرفة كنه الحقيقة والنزاع فيه لا في وجه يمكن استفادته من الرسم الثاني أن الرسم يجب أن يكون بالأعرف لما مر في شرائط المعرف ولا أعرف من الوجود بالاستقرار فإنا تتبعنا المفهومات فوجدنا الوجود أعرف من كل ما نحاول تعريفه به وأيضا فهو أي الوجود أعم المفهومات والأعم جزء الأخص والجزء أعرف من الكل لأن العلم بالكل يتوقف على العلم بالجزء من غير عكس وأيضا فالفيض من المبدأ الفياض عام والنفس الإنسانية قابلة للتصورات وإذا وجد القابل والفاعل لم يتوقف الفيض إلا على اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع فكل ما كان شرائطه وموانعه أقل كان إلى الفيض أقرب والأعم لا شك أنه أقل شرطا ومعاندا من الأخص لأن شرط العام ومعانده شرط للخاص ومعاند له من غير عكس كلي لأن الخاص بحسب خصوصه له شرائط وموانع لا تعتبر في العام أصلا فيكون اجتماع شرائطه وارتفاع موانعه أقل بالنسبة إلى الخاص فيكون وقوعه في النفس وارتسامه فيها أكثر من وقع الخاص وارتسامه فيكون أعرف وجوابه أي جواب الوجه الثالث أنا نختار أن تعريف الوجود بالحد فنختار أو لا أن أجزاءه التي يحد بها وجودات قولك فالجزء مساو للكل في تمام الماهية قلنا ممنوع فإن وجود كل شيء عندنا نفس حقيقته وهي أي حقائق الأشياء متخالفة فكذا الوجودات الواقعة أجزاء للوجود متخالفة في أنفسها ومخالفة في الحقيقة للمركب منها وقد سبقت منا الإشارة إلى أن الخلاف في كون الوجود بديهيا أو كسبيا مبني على كونه مفهوما واحدا مشتركا وإما على تقدير كونه نفس الحقيقة فالمناسب أن يقال بعضه بديهي وبعضه كسبي أو يقال كله كسبي إذ ليس كنه شيء من الحقائق الموجودة بديهيا فالأولى في الجواب أن يقال أجزاؤه وجودات وليس يلزم من ذلك مساواة الجزء للكل في الماهية لجواز أن يكون صدق الوجود على تلك الأجزاء صدقا عرضيا ولا استحالة في صدق الكل على أجزائه كذلك ونختار ثانيا أن أجزاءه ليست وجودات قوله يحصل عند الاجتماع بين تلك الأجزاء أمر آخر قلنا نعم و ذلك الأمر الآخر هوالمجموع من حيث هو مجموع وهو عين الوجود وإن كان كل واحد من أجزاء ذلك المجموع ليس وجودا فيكون التركيب في الوجود نفسه لا في قابله أو فاعله ثم ما يكرته منتقض لسائر المركبات التي علم تركيبها يقينا إذ نطرده بعينه في السكنجبين مثلا فنقول إن كانت أجزاؤه سكنجبينات ساوى الجزء الكل في الماهية وإن لم تكن سكنجبينات فإن حصل عند الاجتماع أمر زائد عليها مسبب عن اجتماعها عارض لها هو السكجبين كان التركيب في علل السكنجبين ومعروضاته لا فيه وإن لم يحصل كان السكنجبين محض ما ليس بسكنجبين قوله في الاستدلال ثانيا على نفي تركيب الوجود الأجزاء تتصف بالوجود أو العدم قلنا كسائر المركبات المعلومة الركيب رذ أجزاؤها لا تخلو عنها أو عن نقيضها فيكون الدليل منقوضا بها إذ نقول مثلا أجزاء الدار إما دار أو ليست بدار فعلى الأول يكون الكل صفة للجزء وعلى الثاني يلزم اجتماع النقيضين والحق عند الحكماء اتصاف الوجود ونقيضه أي العدم بالعدم وأنه أي الوجود بل العدم أيضا من المعقولات الثانية التي لا وجود لها في الخارج وما لا وجود له فهو معدوم إذ لا واسطة عندهم بين الموجود والمعدوم فالموجود عندهم معدوم وليس يلزم من هذا اجتماع النقيضين لا في معروض الوجود فإنه موجود فقط ولا في الوجود نفسه لأنه معدوم فقط نعم يلزم اتصاف أحد النقيضين بالآخر بطريق الاشتقاق وليس بمحال إنماا المحال أن يتصف أحدهما بالآخر مواطأة كأن يقال مثلا الوجود عدم فحل الشبهة على قاعدتهم أن يقال أجزاء الوجود متصفة بالعدم ويحصل من اجتماعها الوجود كما أن أجزاء الدار متصفة بأنها ليست دارا ويحصل من اجتماعها الدار غاية ما في الباب أن جزء الوجود إذا كان معدوما كانالوجود أيضا معدوما وقد عرفت أنه لا استحالة فيه و الحق عند الشيخ الأشعري اتصافه أي اتصاف الوجود بالوجود لأنه نفس الحقيقة وأنها موجودة فحل الشبهة عنده أن أجزاء الوجود موجودة وليس يلزم منه كون الكل صفة للجزء لأن وجود كل شيء عنده عين حقيقته وليس المراد بالصفة ما يكون خارجا عن الشيء قائما به بل ما يحمل عليه سواء كان عين حقيقته أو داخلا فيها أو خارجا عنها وقد عرفت أن ذكر مذهب الشيخ لا يناسب هذا المقام لأن الوجود إذا كان عين الحقيقة فمن الحقائق مركبات ومنها بسائط وكذا الحال في الوجودات وقد يقال في حل الشبهة لا تتصف أجزاء الوجود لا بهذا ولا بذاك أي لا بالوجود ولا بالعدم وهو تصريح بإثبات الواسطة بين الموجود والمعدوم فلا يصح إلا على مذهب مثبتي الأحوال فتكون أجزاء الوجود عندهم من قبيل الأحوال كما أن الوجود عندهم كذلك قوله في الاستدلال ثالثا على نفي التركيب في الوجود تتصف الأجزاء بوجود مع أو بعد أو قبل قلنا هذا مبني على تمايز الجنس والفصل في الخارج وتقدمهما بالوجود على النوع فيه لأن الحد في المشهور إنما يتوقف على التركيب من الجنس والفصل لا من الأجزاء الخارجية المتمايزة الوجود في الخارج وهو أي تمايز الجنس والفصل في الخارج وتقدمهما بالوجود على النوع فيه ممنوع بل التمايز بينهما في الوجود وتقدمهما على الفرع بحسبه إنما هو في الذهن دون الخارج كما سيأتي تحقيقه أو نختار أنه أي جزء الوجود يتصف بالمعدوم أي بمفهوم المعدوم بل بالعدم ولا يكون الوجود حينئذ محض العدمات حتى يكون محالا بل محض معدومات فلا يلزم إلا كون الوجود مركبا من أجزاء متصفة بنقيضه وكذا كل مركب من أجزاء متمايزة الوجود في الخارج فإنه مركب من أجزاء متصفة بنقيضه فالعشرة مثلا محض أمور لا شيء منها بعشرة أعني الوحدات التي تركب منها العشرة وكذا الحال في الأجزاء الذهنية فإن الحيوان نفسه ليس عين الإنسان في الحقيقة وإن كانا متصادقين وليس يلزم من ذلك كون أحد النقيضين جزءا من الآخر فإنه صفة الجزء ليست جزءا من المركب ولنا أيضا أن نختار أن تعريف الوجود بالرسم قوله الرسم لا يعرف الكنه قلنا لا يجب تعريفه الكنه وإيصاله إليه وإما أنه لا يفيد أي الكنه شيء من الرسوم أصلا فلا لجواز أن يكون من الخواص ما تصوره موجب لتصور كنه الحقيقة وأن يكون للوجد خاصة كذلك قوله في الوجه الثاني لإبطال الرسم لا أعرف من الوجود مصادرة فإن من لا يسلم كونه بديهيا ويدعي أنه كسبي كيف يسلم أنه لا أعرف منه بل يقول كونه أعرف يتوقف على كونه بديهيا فتتوقف مقدمة الدليل على ثبوت المدعي وما ذكرتم من الاستقراء ليس بصحيح عندنا قوله في الاستدلال ثانيا على كون الوجود أعرف مما عداه الأعم جزء الأخص ممنوع بل قد يكون الأعم عرضا عاما للأخص فلا يلزم من تصور الأخص ولو بالكنه تصور الأعم فجاز أن يكون الحال في الوجود كذلك قوله في الاستدلال على ذلك ثالثا الفيض عام قلنا مبني على الموجب بالذات حتى يجب الفيض منه عند اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع ونحن لا نقول به بل الحوادث كلها مستندة عندنا إلى الفاعل المختار فجاز أن يوجد العلم بالخاص دون العلم بالعام وقوله في هذا الاستدلال شروط العام ومعانداته أقل من شروط الخاص ومعانداته قلنا ذلك الذي ذكرتموه إنما هو بالنسبة إلى تحققهما أي تحقق العام والخاص في الهويات إذ العموم والخصوص إنما يعرض للشيء باعتبار ذلك فالأعم يكون متحققا في هويات وأفراد أكثر والأخص في أفراد أقل فإذا ترتبت الأشياء في العمورم والخصوص كالجوهر بالنسبة إلى نوع الإنسان بل صنفه فكل ما هو شرط لتحقق الأعم أو معاند له فهو شرط لتحقق الأخص أو معاند له فإنه لو لم يتحقق الأعم في ضمن فرد لم يتحقق الأخص في ضمنه بدون العكس إذ قد يتحقق الأعم في ضمن فرد غير فرد الأخص لا بالنسبة إلى تحققهما في الذهن إذ لا علاقة بين الصورتين الذهنيتين بحسب تحققهما في الذهن فجاز أن تحصل صورة الخاص فيه بدون صورة العام ولا تعاند بين الصور الذهنية بل هي متقاربة ألا يرى أن الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد منه بدونه نعم إذا كان الأعم جزء الأخص وكان الأخص معلوما بالكنه كان شرط تحقق الأعم في الذهن شرطا لتحقق الأخص فيه وكذا معاند تحقق الأعم فيه أن فرض هناك معاند لتحقق الأخص فيه من غير عكس كلي والمنكر له أي لكون الوجود بديهيا فرقتان الأولى من يدعي أنه سبي محتاج إلى معرف لوجهين
صفحة ٢٣٠