الإفصاح على مسائل الإيضاح على مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم

عبد الفتاح حسين راوه المكي ت. 1424 هجري

الإفصاح على مسائل الإيضاح على مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم

رقم الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٠٣ هجري

مكان النشر

السعودية

الإفصاح عن مسائل الإيضاح

على مذاهب الأئمة الأربعة

وغيرهم رحمهم الله

تنبيه : وضع متن الإيضاح للإمام النووي بأعلى الصفحة مشكولاً تمام الفائدة

جمع وترتيب وتعليق

عبد الفتاح حسين راوه

المكي كان الله له وللمؤمنين والمؤمنات آمين

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م

يطلب من

المؤلف وكافة المكتبات بالمملكة العربية السعودية

1

-

2

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بصاحب الإيضاح رحمه الله تعالى

هو الإمام العلامة شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين محرر مذهب الشافعي ومهذبه ومقحه ومرتبه فقيه المحدثين، ومحدث الفقهاء الحافظ أبو زكريا يحيى بن شرف بن موسى بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة النووي الشافعي.

مولده رحمه الله تعالى

ولد في العشر الأول من المحرم عام ٦٣١ أحد وثلاثين وستمائة ببلدة نوى (قرية من قرى دمشق بمرتفعات الجولان) وبها نشأ، وحفظ القرآن العظيم.

رحلته إلى دمشق لطلب العلم

قال رحمه الله تعالى: فلما كان عمري تسع عشرة سنة قدم بي والدي في سنة تسع وأربعين وستمائة إلى دمشق فسكنت المدرسة الرواحية وبقيت نحو سنتين لا أضع جنبي بالأرض وأتقوت بجراية المدرسة لاغير وحفظت التنبيه في نحو أربعة أشهر ونصف ثم حفظت ربع العبادات من المهذب في باقي السنة، وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الكمال إسحاق المغربي ولازمته فأعجب بي لما رأى من ملازمتي للاشتغال، وعدم اختلاطي بالناس وأحبني محبة شديدة، وجعلني معيد الدرس بحلقته لأكثر الجماعة. قال ابن العطار رحمه الله تعالى، ذكر الشيخ لي أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً يعني في الدين وأصوله، والفقه وفصوله، والحديث ومصطلحه، واللغة والمنطق. قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل وإيضاح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي وأعانني عليه.

مشايخه رحمه الله تعالى

أخذ عن إسحاق بن أحمد المغربي وعبدالرحمن بن نوح المقدسي، وعمر بن أسعد الإربلي، وخالد بن يوسف النابلسي، والضياء بن تمام الحنفي وأحمد بن سالم المصري،

3

ومحمد بن عبدالله بن مالك الجَيّانى صاحب الألفية وعمر بن بندر التفليسى ، وإبراهيم بن على الواسطى ، وأحمد بن عبدالدائم المقدسى ، وإسماعيل بن أبى اليسر التنوخى ، وعبد الرحمن بن سالم الأنبارى ، وعبد الرحمن بن محمد قُدامة المقدسى ، وعبد العزيز بن محمد الأنصارى وغيرهم رحمهم الله تعالى .

تفننه فى العلوم

تفنن رحمه الله فى أصناف من العلوم فقهاً فكان المرجع والمعوَّل عليه فى فقه الشافعى رحمه الله تعالى ، ومتون أحاديث ، وأسماء رجال ، فجمع بين الرواية والدراية ، فكان أول أهل زمانه معرفة، وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله ﷺ، وعلماً بعِلله وصحيحه وأسانيده ، فالنووى فقيه المحدِّثين ، ومحدِّث الفقهاء . بل صار علماً يشار إليه بالبنان فى زمانه ، ومرجعاً يعتمد عليه ، غير منازَع ولامدافَع رحمه الله تعالى .

توليته التدريس

بعد أن اكتملت للنووى رحمه الله أدوات الحديث والفقه قام بتدريسهما فى المدرسة الإقبالية التى أنشأها جمال الدين إقبال سنة ٦٠٣ هـ ثم قام بالتدريس فى المدرسة الركنية التى أسسها ركن الدين منكورس ، والمدرسة الخَلَفية التى أقامها خلف الدين سليمان ، ثم ولى دار الحديث سنة (٦٦٥ هـ) فلم يأخذ من معلومها شيئاً حتى توفى رحمه الله تعالى.

تلاميذه رحمه الله تعالى

أخذ عنه علاء الدين بن العطار ، وأحمد بن إبراهيم بن مُصعَب ، وأحمد بن محمد الجعفرى ، وأحمد بن فرح الإِشبيلى، والرشيد إسماعيل بن المعلّم الحنفى ومحمد بن أبى الفتح الحنبلى ، وأحمد الضرير الواسطى ، وسليمان بن عمر الدِّرعى ، وعبدالرحمن بن محمد المقدسى ، والبدر بن جماعة ، ومحمد بن النقيب ، ومحمد بن عبدالخالق الأنصارى ، وهبة الله بن عبدالرحيم البارزى، ويوسف بن عبدالرحمن المِزِّىّ ، وغيرهم رحمهم الله تعالى.

مناقبه رحمه الله تعالى

ذكر والده أنه كان نائماً إلى جنبه وهو ابن سبع سنين ، ليلة سبع وعشرين من رمضان ، فانتبه نحو نصف الليل ، وقال : ياأبت ماهذا الضوء الذى ملأ الدار ، قال فاستيقظنا ، ولم نر كلنا شيئاً ، فعرفت أنها ليلة القدر . وقال العارف الأستاذ ياسين بن

4

يوسف الزركشي رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكى لإكراههم ، ويقرأ القرآن فى تلك الحال ، فوقع فى قلبى حبه ، ووضعه أبوه فى مكان فكان لايشتغل بالبيع والشراء عن القرآن ، قال فأتيت الذى يقرئه القرآن فوصيته به خيراً ، وقلت : هذا الصبى يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم ، وينتفع الناس به ، فقال لى : منجم أنت ؟! قلت : لا وإنما أنطقنى الله بذلك ، فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن ، وقد ناهز الاحتلام .

كراماته رحمه الله تعالى

منها أنه أضاءت أصبعه له بإذن الله تعالى لما فقد وقت التصنيف مايُسرِجِه عليه .

شمائله رحمه الله تعالى

كان على جانب عظيم من الورع والزهد ، قال الذهبى رحمه الله تعالى : كان عديم الميرة والرفاهية والتنعم مع التقوى والقناعة والورع والمراقبة لله تعالى فى السر والعلانية ، وترك رعونات النفس من ثياب حسنة ومأكل طيب ، وتجمل فى هيئة ، بل طعامه جِلْف(١) الخبز بأيسر إدام ، ولباسه ثوب خام ، وسختيانية(٢) لطيفة. وكان لايأكل من فاكهة دمشق لما فى ضياعها(٣) من الحيلة والشبهة ، وكان يتقوت مما يأتى من بلده من عند والديه ، ولا يأكل إلا أكلة واحدة فى اليوم والليلة بعد العشاء الآخرة ، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر ، ولم يتزوج ، وكان كثير السهر فى العبادة والتصنيف ، ولذا قال ابن السبكى رحمهما الله تعالى: إنه كان سيداً حصوراً وزاهداً، لم يبال بخراب الدنيا ، إذا صيّردينه ربعاً معموراً له الزهد والقناعة ، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة ، والمصابرة على أنواع الخير لايصرف ساعة فى غير طاعة . كانت عليه سكينة ووقار فى البحث مع العلماء وفى غيره، وكان آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، يواجه بهما الملوك والأمراء ، ويكتب إليهم الرسائل ناصحاً بالعدل فى الرعية ، وإبطال المكوس(٤)، وردّ الحقوق إلى أربابها . قال أبو العباس بن فرج رحمه الله تعالى : كان الشيخ قد صارت إليه ثلاث مراتب ، كل مرتبة منها لو كانت لشخص شُّدت إليه الرحال . المرتبة ( الأولى ) العلم ( الثانية) الزهد ( الثالثة) الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقال ابن كثير رحمه الله تعالى : إنه قام على الظاهر فى دار العدل فى قضية الغوطة لما أراد وضع الأملاك على بساتينها فردّ عليهم ذلك ، ووقى الله شرها بعد أن غضب السلطان ، وأراد البطش به ثم بعد ذلك أحبه وعظمه ، حتى كان يقول : أنا أفْرغ منه .

(١) الجلف : الجاف الشديد
(٢) السختيانية : جبة تلبس فوق الثوب
(٣) الضياع: جمع ضيعة بفتح الضاد وسكون الياء وهى الحديقة، أو القطعة المزروعة من الأرض
(٤) المكوس بضم الميم جمع مكس وهو ما يفرضه الحاكم من الاتاوة عن السلع التى تباع أو تجلب وغير ذلك

5

وفاته رحمه الله تعالى

سافر في آخر عمره إلى بلده نوى بعد ما حج وزار القدس ووصل الخليل فمرض بها عند والديه وتوفي ليلة الأربعاء لست بقين من رجب سنة ٦٧٦ هـ ست وسبعين وستمائة، ولما بلغ نعيه إلى دمشق أسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وتوجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه ورثاه جماعة كثيرون، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.

مصنفاته رحمه الله تعالى

شرح مسلم، ورياض الصالحين، والأذكار، والأربعون النووية وشرحها، وتهذيب الأسماء واللغات، وطبقات الفقهاء، والتبيان، والمناسك الصغرى، والكبرى، والمنهاج، ودقائقه، والفتاوى، وتصنيف في الاستسقاء، وتصنيف في استحباب القيام لأهل الفضل ونحوهم، وتصنيف في قسمة الغنائم، وتصحيح التنبيه، والنكت عليه، والإيجاز، والإرشاد، والتقريب، والمبهمات، ومناقب الشافعي، وخلاصة الأحكام في مهمات الأحكام، وبستان العارفين وجامع السنة وروضة الطالبين التي عليها المعوّل في الترجيح وبقولها المقول في التصحيح هذه مؤلفاته التي أتمها رحمه الله تعالى.

ومن مؤلفاته التي لم يتمها المجموع شرح المهذب، وصل فيه إلى أثناء الربا وهو أجل مؤلفاته لو كان تمامه على يديه، التحقيق شرح مطول على التنبيه، التنقيح شرح الوسيط، الإشارات وهو كتاب على الروضة كالدقائق على المنهاج، وشرح قطعة من صحيح البخاري وقطعة من سنن أبي داود وغير ذلك.

(ما ينسب إلى الإمام النووي رحمه الله تعالى)

بادر إلى حفظ الحديث وكتبه واجهد على تصحيحه في كتبه

واسمعه من أشياخه نقلاً كما سمعوه من أشياخهم تسعد به

وتجنب التصحيف فيه فربما إلى أدى تغييره عن لفظه

وتتبع العالي الصحيح فإنه نطق النبي لنا به عن ربه

فكفى المحدث رتبة أن يرتضى يعد من أهل الحديث وحزبه

6

وفي الختام أسأل الله الكريم أن يرحمني ويرحم المؤلف ووالدينا والمسلمين والمسلمات ويحشرنا في زمرة سيد المرسلين سيدنا محمد وآله صلى الله وسلم عليه وعليهم بقدر حبه فيه وفيهم إلى يوم الدين وعلينا وعلى المسلمين والمسلمات بمنه وكرمه آمين.

التعريف بصاحب الحاشية على الإيضاح رحمه الله آمين

هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري المكي والهيتمي بالتاء المثناة لا بالثاء المثلثة كما هو شائع كما أفاده غير واحد من الفضلاء. ترجمه العيدروس في وفيات الأكابر فقال: وفي رجب سنة أربع وسبعين وتسعمائة توفي الشيخ الإمام شيخ الإسلام شهاب الدين. ثم قال: وكان بحراً في علم الفقه وتحقيقه لا تكدره الدلاء، وإمام الحرمين كما أجمع على ذلك العارفون، وانعقدت عليه خناصر الملأ، ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة، ومات أبوه وهو صغير فكفله الإمامان الكاملان علماً وعملاً، العارف شمس الدين بن أبي الحمائل، وشمس الدين الشناوي، وكان قد حفظ القرآن العظيم في صغره، ومن مشايخه الذين أخذ عنهم شيخ الإسلام القاضي زكريا [الأنصاري] الشافعي. والشيخ الإمام المعمر الزيني السنباطي، والشهاب الرملي الشافعي وغيرهم، وأذن له بعضهم بالإفتاء والتدريس، وعمره دون العشرين، وبرع في علوم كثيرة منها التفسير والحديث وعلم الكلام وأصول الفقه وفروعه والفرائض والحساب والنجوم والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتصوف. ومن محفوظاته في الفقه: المنهاج للنووي، ومقروءاته كثيرة لا يمكن تعدادها. وأما إجازات المشايخ له فكثيرة جداً وقد استوعبها رحمه الله في معجم مشايخه. وقدم مكة في آخر سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة فحج وجاور بها في السنة التي تليها، ثم عاد إلى مصر ثم حج بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين ثم حج سنة أربعين وجاور من ذلك الوقت بمكة المشرفة وأقام بها يؤلف ويفتي ويدرس إلى أن توفي، فكانت مدة إقامته بها ثلاثاً وثلاثين سنة، ومن مؤلفاته شرح المشكاة نحو الربع، وشرح المنهاج للنووي في مجلدين ضخمين، وشرحان على الإرشاد للمقري كبير وهو المسمى بالإمداد وصغير وهو المسمى فتح الجواد، وشرح همزية البوصيري، وشرح الأربعين النووية، والصواعق المحرقة على أهل البدع والضلال والزندقة، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، والزواجر عن اقتراف الكبائر، ونصيحة الملوك، وشرح مختصر الفقيه عبدالله بافضل المسمى المنهج القويم في مسائل التعليم، والإعلام بقواطع الإسلام وشرح العباب المسمى بالإيعاب، وشرح قطعة من ألفية ابن مالك وشرح مختصر أبي الحسن البكري في الفقه، وشرح مختصر الروض لكن لم يتم، وله حاشية على الإيضاح، وحاشية غير تامة على

7

شرح المنهاج وحاشية على العباب، واختصر الإيضاح والإرشاد والروض والأخير لم يتم، ومناقب أبي حنيفة الجواهر الحسان في مناقب النعمان والتعرف في الأصلين والتصوف، ومنظومة في أصول الدين وشرح عين الدين في التصوف ولم يتم.

والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر. والسعدي نسبة إلى بني سعد بإقليم الشرقية من أقاليم مصر أيضاً ومسكنه الشرقية لكنه انتقل إلى محلة أبي الهيتم في الغربية، وأما شهرته بابن حجر فقيل إن أحد أجداده كان ملازماً للصمت لا يتكلم إلا عند ضرورة أو حاجة فشبهوه بحجر ملقى لا ينطق، فقالوا: حجر ثم اشتهر بذلك وقد اشتهر بهذا اللقب أيضاً شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله فكان صاحب الترجمة يشبهه في فنه الذي اشتهر به وهو الحديث مع ما منحه الله به من الزيادة عليه من علم الفقه الذي لم يشتهر به الحافظ العسقلاني هذا الاشتهار كيف لا وهو سَمّه فاشبهه اسماً ووصفاً وزادته نسبته إلى جوار الحرم الشريف شرفاً. قلت: من مؤلفاته فتاوى في الفقه كبرى وصغرى، والفتاوى الحديثية، انتهى من مختصر كتاب نشر النور والزهر للشيخ عبد الله مرداد رحمه الله تعالى، أقول: ولصاحب الترجمة رحمه الله تعالى أيضاً من المؤلفات تحفة المحتاج بشرح المنهاج ((عشرة أجزاء)) والإفادة فيما جاء في المرضى والعيادة وتحرير المقال فيما يحتاجه مؤدب الأطفال وتلخيص الأحراء في تعليق الطلاق بالإبراء وتكفير الكبائر وشرح بانت سعاد ومبلغ القرب في فخر العرب، والإفصاح عن أحاديث النكاح وأشرف المداخل إلى معرفة الشمائل والأربعين العدلية وتنبيه الأخيار، وتطهير العيبة من دنس الغيبة وثبت شيوخه ودر الغمامة في در الطيلسان والعمامة وقرة العين في أن التبرؤ لا يبطل الدين، والمناهل العذبة في إصلاح الكعبة وإتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام، انتهى من مقدمة الأستاذ محمود النواوي على إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام قمت باختصاره والتعليق عليه ولله الحمد والمنة وسميته (مختصر إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام) وذكرت في التعليق عليه أقوال الأئمة الأربعة رحم الله الجميع آمين وهو مطبوع نفع الله به وبجميع كتبي كما نفع بأصولها آمين، وللمترجم له وقف عقار بمكة في محلتي سوق الليل والقشاشية يدخل فيه آل المرحومي وآل سنبل وبعض من آل المفتي الأحناف لأنهم أسباطه فإنه لم يعقب ذكوراً والله أعلم: أقول: ذكر الأستاذ محمود النواوي في مقدمته السالفة الذكر في ترجمة المحقق ابن حجر المكي أن وفاته كانت سنة (٩٩٥) ثم قال ومن الناس من يقول إنها كانت سنة (٩٧٥) وهذا تفاوت بعيد وإنما العلم عند الله وحده ا. هـ. أقول: جاء في حاشية المترجم له على إيضاح الإمام النووي أنه فرغ من تحريرها غروب شمس ثامن ذي الحجة سنة ٩٧٩ فهذا مما يدل على أن المترجم له عاش بعد ما قاله بعض الناس والمترجم له ومَنْ شاكله

8

سلفاً وخلفاً من أهل العلم قد خلّدَ الله ذكرهم بالعلم بسبب إخلاصهم فهم أحياء على مدى الأزمان والدهور ورحم الله القائل :

أخو العلم حيٌّ خالد بعد موته وأوصاله بين التراب رميم

وذو الجهل مَيْت وهو يمشى على الثرى يُعَدُّ من الأحياء وهو عديم

التعريف بمؤلف الإفصاح

كان الله له آمين

هو عبد الفتاح بن حسين بن إسماعيل بن محمد طيب راوه المكى

ولد بمكة المكرمة عام ١٣٣٤هـ تقريباً، ذكر له والده رحمه الله تعالى أن جدهم نزل أرض راوه كوت راجا . بأندونسيا وأصله عمودى من حضرموت والعلم عند الله ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) نسأله تعالى أن يتغمدنا بعفوه آمين .

تلقى مبادىء القراءة والكتابة فى بعض كتاتيب مكة المكرمة على بعض المشايخ . منهم الشيخ الورع الصالح عبدالحميد المليبارى وكان يدرس بالموضع المعروف بمولد السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ بزقاق الحجر شارع الصاغة ، يقوم عليه الآن بناء مدرسة تحفيظ القرآن ، ثم أدخل مدرسة المسعى المعروفة فى ذلك الحين بمدرسة الخياط رحمه الله تعالى ثم تلقى علومه بمدرستى الفلاح والصولتية وبالمسجد الحرام على عدة مشايخ .

منهم مسند الحرمين ومحدثهما شيخه وشيخ مشايخه العلامة الشيخ عمر حمدان المحرسى المتوفى بالمدينة المنورة عام ١٣٦٨هـ وقد أجازه بجميع مرويّاته وكتب له بذلك بخط يده على ثبت الشيخ محفوظ الترمسى رحمه الله .

ومنهم العلامة الورع شيخه وشيخ مشايخه الشيخ عيسى بن محمد رواس المتوفى بمكة عام ١٣٦٥هـ .

ومنهم العلامة المتفنن الشيخ محمد على بن حسين المالكى المتوفى بالطائف عام ١٣٦٧هـ .

ومنهم العلامة الورع الزاهد الشيخ ابراهيم الخزامى المكى المقرىء والد الاستاذ صالح الخزامى المفتش سابقا بوزارة المعارف السعودية المتوفى بمكة المكرمة .

ومنهم العلامة الشريف العلوى الحبيب عيدروس بن سالم البار المتوفى بمكة عام ١٣٦٧هـ وقد أجازه بجميع مروياته وكتب له بذلك إجازة.

12

ومنهم الشيخ العلامة حسن بن محمد المشاط المتوفى بمكة صبح الأربعاء بتاريخ ١٣٩٩/١٠/٧هـ.

ومنهم العلامة الشيخ يحيى أمان المتوفى بمكة عام ١٣٨٩هـ.

ومنهم الشيخ العلامة محمد العربى التبانى الجزائرى المتوفى بمكة عام ١٣٩٠هـ.

ومنهم المحدث الشيخ عبدالله بخارى النمنقدانى المدرس بالمدرسة الصولتية سابقاً المتوفى بمكة عام ١٣٦٢هـ.

ومنهم السيد العلامة بكر حبشى والسيد طاهر حبشى المتوفيان بمكة والسيد العلامة محمد أمين كتبى، والسيد العلامة علوى بن عباس المالكى المتوفى بمكة بتاريخ ١٣٩١/٢/٢٥هـ. صوفى أجازه بجميع مروياته وكتب له إجازة بخطه على ثبته المسمى إتحاف ذوى الهمم العلية. كله المتر والعلامة الشيخ محمد نور سيف والعلامة الشيخ زكريا عبد الله بيلا، والشيخ أحمد آل مساكن منصور الفقيه. والشيخ زبير فلفلان والشيخ عبدالرحمن أسعد اليمنى والسيد محمد سليمان الأثنيلة نورى، والشيخ عبدالسلام عمر الداغستانى والشيخ حامد كعكى والشيخ العلامة السيد وحسن سعيد اليمانى والشيخ العلامة سعيد الخليدى اليمنى رحمه الله تعالى والشيخ العلامة أحمد محاضرين والسيد العلامة إسحق عزوز.

والمدقون منهم العلامة الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رئيس مجلس القضاء والرئيس العام بالعالا للإشراف الدينى على المسجد الحرام حضر بعض مجالسه العلمية المتوفى بمكة المكرمة ليلة الخميس ١٤٠٢/١١/٢١هـ ودفن بالعدل بمكة.

أملا رحمه الله إجازة بعض من شاركه فى الأخذ عن بعض مشايخه (منهم) العلامة الفقيه الشيخ عبدالله بن سعيد محمد عبادى اللحجى الحضرمى وكتب له بذلك إجازة عامة على ثبته المسمى بكتاب المرقاة الى الرواية والرواة، ومنهم العلامة المسند المتفنن الشيخ محمد ياسين ابن عيسى الفادانى المكى وكتب له بذلك إجازة خاصة بأسانيد الصحيحين والسنن الأربعة والموطأ وعامة بسائر مروياته. وأجازه أيضاً بمجموعة المسلسلات والأوائل والأسانيد العالية ومنهم العلامة المحدث الفقيه الأصولى عبدالله الصديق الحسنى الطنجى المغربى وكتب له بذلك إجازة على ثبت العلامة عبدالله الشبراوى الذى يليه ارتشاف الرحيق من أسانيد عبدالله الصديق بجميع ماحواه هذا الثبت وبجميع مروياته ومؤلفاته وغير هؤلاء العلماء الفضلاء ممن لم تذكر أسماؤهم جزاه الله وجزاهم خير الجزاء ورحمه ورحمهم والمسلمين والمسلمات أمين.

ثم أجيز بالتدريس بالمسجد الحرام عام (١٣٥٧هـ) وعين مدرسا بدار الأيتام بمكة إلى غاية ١٣٥٩/٩/٢٩هـ وكان من الأساتذة الذين تخرج على أيديهم. الفَوْجُ الأول مِنْ دار

10

الأيتام كالسيد العقيد محسن عنقاوي والسيد عبدالعزيز أولياء رحمه الله تعالى رئيس إدارة الجوازات والجنسية بجدة سابقاً والعقيد هاشم عبدالمولى والعقيد يوسف نجار رحمه الله تعالى والعقيد سعيد الكردي والعقيد محمد الغرابي العسيري وجميع زملائهم.

ثم في آخر عام ١٣٥٩ هـ. انتقل إلى مديرية المعارف في عهد مديرها السيد طاهر الدباغ رحمه الله تعالى فعين مديراً لمدرسة خميس مشيط بجنوب المملكة العربية السعودية وكان أول مدير لها فتخرج على يديه بمدرسة خميس مشيط جمع ممن يشغلون الآن وظائف حكومية منهم الأستاذ فهد بن عليط كاتب إمارة بيشة والأستاذ محمد سعد أبو كف والأستاذ سعد بن محمسة وأولاد بن برقان وأولاد سعيد عوض وجماعة من آل عبد الوهاب أبي ملحة وآل عطرس وآل بن باحص وآل ابن قرعة وسليمان بن محمد المطوع وآل ابن نابت ناصر وأخوه وسعيد بن ظافر بن حمدان وكثير غيرهم نفع الله بهم تلك الجهة بالتدريس وبث العلم ثم طلب النقل للقرب من مكة المكرمة فعين مدرساً من الدرجة الأولى بالمدرسة السعودية بجدة حيث لم توجد إدارة مدرسة شاغرة حينذاك ثم طلب النقل إلى مدارس مكة عام ١٣٦٥هـ فعين مدرساً بالمدرسة الفيصلية ثم مساعد مدير المدرسة الرحمانية الأستاذ عبد الله الساسي رحمه الله عام ١٣٧٣هـ ثم في عام ١٣٧٩هـ عين مدرساً ثانوياً بالمدرسة العزيزية الثانوية ثم في عام ١٣٩٤هـ أحيل إلى التقاعد حسب النظام، ثم في عام ١٣٩٥هـ طلب مدرساً بمعهد المسجد الحرام تبع الشؤون الدينية فدرس به وفي أيام العطلة الصيفية يدرس بمسجد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالطائف وبمسجد الهادي بالطائف أيضاً.

مؤلفاته: التعليق الأسنى شرح منظومة أسماء الله الحسنى، نظمت في اثني عشر بيتاً سهلة للحفظ، وسيد ولد آدم ﷺ في السيرة النبوية، ومختصر إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام اختصر فيه كتاب العلامة أحمد بن حجر الهيتمي المكي رحمه الله تعالى، وإتحاف الصديق بمناقب الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه، والكوكب الأغر على قطف الثمر في موافقات عمر رضي الله عنه للقرآن والتوراة والأثر، والاتزان في مناقب عثمان رضي الله تعالى عنه، وملتقى الأصفياء في مناقب الإمام علي والسبطين والزهراء رضوان الله تعالى عليهم جميعاً، والدرر اللؤلؤية على النفحة الحسنية شرح التحفة السنية في علم الفرائض، والمجموعة الراوية شرح المنظومة الرحبية وهي شرح مبسط بالجداول والشبابيك أيضاً يكتفي طالب علم الفرائض في هذه العصور بهما عن غيرهما إن شاء الله تعالى، ومرشد الحاج والمعتمر والزائر إلى أعمال الحج والعمرة والزيارة، والسيدة الكبرى خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وهي: رسالة في مناقبها. وزيادة تعليق على رياض

11

الصالحين، والإفصاح عن مسائل الإيضاح على مذاهب الأئمة الأعلام وهو هذا الكتاب [والدعاء المقبول الوارد عن الرسول]ﷺ وسؤال وجواب في الأحوال الأربعينية في علم الفرائض والجميع مطبوع نفع الله به آمين.

أولاده: خمسة عشر ولدا، من الذكور ثمانية: عثمان، ومعتوق، ومحمد علي، وعبد العزيز، وخالد، ومصطفى، وأحمد، وإبراهيم. ومن الإناث سبع، كان الله له ولهم، وللمسلمين والمسلمات ورحم الله الجميع أحياءً وأمواتاً آمين.

12

مقدمة صاحب إلافصاح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على الرحمة المهداة من رب العالمين للخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد القائل (أفضل الجهاد حج مبرور) والقائل (من حج هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) والقائل (خذوا عني مناسككم) وعلى آله وصحبه شموس الهداية والدين وعلى من اقتفى آثارهم واهتدى بهديهم ودعا بدعوتهم آمين.

(أما بعد) فقد وفقني الله بحوله وقوته فقمت بتلخيص كتيب في المناسك لخصته من كتاب الإيضاح للإمام النووي وحاشيته للمحقق العلامة ابن حجر الهيتمي المكي رحمنا الله ورحمهما وإخواني المسلمين والمسلمات رحمة الأبرار آمين.

وسميته مرشد الحاج والمعتمر والزائر إلى أعمال الحج والعمرة والزيارة وهو مطبوع نفع الله به وبجميع كتبي آمين وبقي في نفسي أن أقوم بتعليق على كتاب الإيضاح أُبَيِّنُ فيه مسائله على أقوال الأئمة، الذين اصطفاهم الله واختارهم من العباد، وألهمهم رشدهم وسلك بهم منهج الرشاد، وفتح عليهم في العلوم منطوقها والمفهوم، بعد أن توجهوا إلى ذلك بهمم عليّة وعزائم قوية ونفوس أبيّة، وبرزوا في حلبات الجد والاجتهاد حتى تأهلوا لتفهم معاني وأسرار كلام الرحمن، وسنة خير مبعوث من بني الإنسان، وقدروا على استنباط الأحكام والمسائل منها دينية ودنيوية بحق وجدارة، لا بثرثرة وفتح أشداق، كما يدّعي بعض الجهلة القدرة عليه وأنه من الذين قال الله فيهم

13

( لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم ) وذاته خاوية من العلم وصالح العمل ورحم الله القائل :

وكلٌّ يَدَّعِى وصلاً بليلى وليلى لاتقرّ لهم بذاكا

وهذا البعض الثرثار الجاهل المدعى الاجتهاد والقدرة على الاستنباط مع خلوه من الشروط المطلوبة له يصدق عليه قول القائل رحمه الله تعالى :

تصدر للتدريس كل مهوس جهول يسمى بالفقيه المدرس

وَحُقَّ لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع فى كل مجلس

لقد هُزُلت حتى بدا من هُزالها كُلاها وحتى اُسْتُمِهَا كلٌّ مفلس

فلما عزمتُ على ذلك طلبت منه سبحانه وتعالى العونَ فأجابَ بدليلٍ نشاطى على المطالعة فى كتاب المجموع وفى شرح مسلم وكلاهما للمصنف ، وفى كتاب المغنى للعلامة ابن قدامة الحنبلى ، وفى الجزء الخامس من أضواء البيان للعلامة محمد الأمين الجكنى الشنقيطى المالكى وفى كتاب رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة للعلامة محمد بن عبدالرحمن الدمشقى العثمانى الشافعى ، وفى كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد للعلامة ابن رشد المالكى وفى حاشية الإيضاح للعلامة المحقق ابن حجر المكى الشافعى وفى بعض التقييدات ، وفى عمدة الأبرار للعلامة على بن عبدالبر عبدالفتاح الونائى الشافعى ، وفى إرشاد العلامة البطاح المكى الشافعى ، وفى إعانة الطالبين للعلامة السيد أبى بكر شطا الشافعى ، وفى كتاب مفيد الأنام للشيخ عبدالله عبدالرحمن آل جاسر الحنبلى وفى غيرها من الكتب جزى الله مؤلفيها خير الجزاء ورحمنى ورحمهم رحمة المقربين ، فأخرجت بحول الله وقوته هذا التعليق ، وسميته « الإفصاح عن مسائل الإيضاح » على مذاهب الأئمة الأعلام مصابيح السنة مستنبطى الأحكام فما وجدتَ ياأخىَّ من صواب فمن الله وما توفيقى إلاّ بالله وماوجدتَ من خَطَأ فمنّى وهذا نعتُ البشر فاذا أُعْجِبْتَ بشيءٍ من ذلك فادع الله لى بحسن

14

الخاتمة وإنْ سَاءَكَ شيءٌ فاستغفر الله لى فإنه لايغفر الذنوب إلاّ هو ، وفى الختام أسأله تعالى أن يجعل عملى مقبولاً ، وأن ينفع بكتبى جميعها كما نفع بأصولها وأن يحسن الخاتمة لى وللمسلمين والمسلمات آمين .

١١/ ١٤٠٠/١٢هـ

مؤلف الإفصاح

عبدالفتاح حسین راوه المكى

15

-

16

مقدمة الايضاح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الجلال(١) والإكرام والفضل والطول والمنن العظام(٢) الذي هدانا للإسلام(٣) وأسبغَ علينا جزيل نِعَمِه(٤) وأُلْطَافِهِ(٥) الجسام وكرّم الآدميين(٦) وفضّلهم على غيرهم من الأنام(٧) ودعاهم برأفته ورحمته إلى دار السلام(٨) وأكرمهم بما شَرَعَه لهم من حَجِّ بيته الحرام(٩) ويَسَّرَ ذلك على تكرر الدهور(١٠) والأعوام وفرض حَجَّه على من استطاع إليه سبيلاً من الناس حتى الأغبياء(١١) والطغام

(١) أي صاحب العظمة وفيه براعة استهلال من حيث ظهور الجلال وما بعده في الحج وما اشتمل عليه.

(٢) المنن جمع منة وهي النعمة الثقيلة ووصفها بالعظام من الوصف الكاشف ويجوز كونه مؤسساً.

(٣) الإسلام وضع إلهيّ سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما فيه نفعهم بالذات دنيا وأخرى سمي بذلك لأنه يستسلم له وينقاد ويعبر عنه بالدين والشريعة والملة لأنه يدان به ويجتمع عليه ويملى ويكتب فالأربعة متحدة ذاتاً مختلفة اعتباراً.

(٤) نعمه جمع نعمة وهي ما قصد به الإحسان والنفع لا لعوض ولا لغرض.

(٥) ألطافه جمع لَطَف وهو ما يقع به صلاح العبد آخرة نسأله تعالى أن يشملنا بها آمين.

(٦) قال الله تعالى ((ولقد كرمنا بني آدم)) الآية.

(٧) الأنام أي الخلق وشمل الملائكة والتحقيق أن خواص الآدميين (أنبياءهم) أفضل من خواص الملائكة كجبريل وخواصهم أفضل من عوامنا أي صلحائنا كأبي بكر رضي الله عنه.

(٨) أي الجنة سميت به لسلامة داخلها من الآفات جعلنا الله من أهلها آمين.

(٩) وصف البيت بالحرام لحرمة صيده وحرمة قطع شجره.

(١٠) الدهور جمع دهر وهو الأمد المحدود، وفي الخبر المتفق عليه النهي عن سبه ومعناه ما أصابك منه فالله هو الفاعل وكذا ما يقال في سب الريح، وسبب النهي ما كانت العرب تعتاده من ذمه لما يرونه من أنه الفاعل للنوائب فقال تعالى ((وأنا الدهر)) أي الذي أفعل ذلك لا الدهر في زعمكم، فسبُّ الدهر أو الريح يخشى منه أن يؤول إلى سبه تعالى فلذا نهى عنه والله أعلم.

(١١) الأغبياء جمع غبي وهو قليل الفطنة، والطغام: الحمقى ضعفاء الرأي.

17

(أحمده) أبلغَ الحمد وأكمله وأعظمه وأتمه وأشمله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بوحدانيته وإذعاناً لجلاله وعظمته وصمدانيته وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المصطفى من خليقته والمختار من بريته، عوّله وزاده شرفاً وفضلاً لديه.

(أما بعد) فإن الحج أحد أركان الدين ومن أعظم الطاعات لرب العالمين وهو شعار أنبياء الله(١٢) وسائر عباد الله الصالحين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن أهم الأمور بيان أحكامه(١٣) وإيضاح مناسكه(١٤) وأقسامه(١٥) وذكر مصححاته(١٦) ومفسداته(١٧) وواجباته(١٨) وآدابه ومسنوناته(١٩) وسوابقه(٢٠) ولواحقه(٢١) وظواهره(٢٢) ودقائقه(٢٣) وبيان الحرم ومكة والمسجد والكعبة

(١٢) فيه إثبات حج الأنبياء وهو الظاهر من قول العلماء رحمهم الله تعالى أن جميع الأنبياء والرسل حجوا البيت.

(١٣) أي ليكون الآتي بالحج على بصيرة منها.

(١٤) كأنه سمي بإيضاح المناسك لذلك.

(١٥) من فرض عيني وكفائي وهو إحياء البيت كل عام بإقامة الحج ومندوب ويتصور من الأرقاء والصبيان والحج بعد الحج الأول.

(١٦) أي مما يتوقف عليه صحة الحج.

(١٧) أي جعل الحج فاسداً كالجماع بشرطه.

(١٨) أي مما لا يتوقف عليه صحة الحج وإنما يجب دم بتركها.

(١٩) الظاهر اقتران السنة والأدب وهو كذلك من حيث التأكد وإن اشتركا في أصل الطلب. وفي الروضة: السنة يتأكد شأنها والأدب دونها.

(٢٠) أي مما يتعلق قبل الشروع في الحج من الأحكام في السفر.

(٢١) أي مما يتعلق بعد تمام الحج من الأحكام وفي رجوعه منه لبلده.

(٢٢) أي كمعرفة الأركان والواجبات.

(٢٣) أي كعدم صحة الإحرام لمن لم ينفر من منى قبل مغيب شمس أيام التشريق وإن أتم عمله الواجب والمفروض كما في الأم للشافعي رحمه الله تعالى انتهى (شرح ابن علان رحمه الله تعالى).

18

وما يتعلق بها من الأحكام وما تميزت به (٢٤) عن سائر بلاد الإسلام وقد جمعتُ هذا الكتاب مستوعباً لجميع مقاصدها (٢٥) مستوفياً لكل ما يحتاج إليه من أصولها وفروعها ومعاقدها (٢٦) (وضمنته) من النفائس (٢٧) ما لا ينبغي لطالب الحج (٢٨) أن تفوته معرفته (٢٩) ولا تعزب عنه خبرته (٣٠) ولم أقتصر فيه على ما يحتاج إليه في الغالب بل ذكرت فيه أيضاً (٣١) كل ما قد تدعو إليه حاجة الطالب بحيث لا يخفى عليه شيء من أمر المناسك في معظم الأوقات ولا يحتاج إلى السؤال لأحد عن شيء من ذلك في أكثر الحادثات وقصدت فيه أن يستغني به صاحبه (٣٢) عن استفتاء غيره عما يحتاج إليه (٣٣).

وأرجو أن لا يقع له شيء من المسائل إلا وجده فيه منصوصاً عليه وأحذف الأدلة في معظمه إيثاراً للاختصار (٣٤) وخوفاً من الإملال بالإكثار

(٢٤) أي من تضعيف ثواب العمل وغير ذلك.

(٢٥) أي مما يهتم بمعرفته ويقصد تحقيقه من المناسك اهتماماً.

(٢٦) أي ما فيه تعقيد وصعوبة من المناسك.

(٢٧) النفائس جمع نفيس أو نفيسة ما يرغب فيه مطلقاً.

(٢٨) أي على الوجه الأكمل.

(٢٩) أي لكمال الحاجة إليه لكونه مصححاً أو واجباً فيفعل أو مفسداً أو محرماً فيترك والعلم طريق العمل.

(٣٠) أي درايته.

(٣١) أيضاً كلمة تقال في شيئين بينهما اتفاق في المعنى دون اللفظ ويمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر منصوبة مفعولاً مطلقاً أو حالاً نطق بها النبي عليه الصلاة والسلام فهي عربية.

(٣٢) أي الملازم لمطالعته والمتأمل في خباياه.

(٣٣) فيه اعتماد الكتاب المعتمد الذي علم من مؤلفه أنه لا يمشي إلا على المعتمد كالمصنف رحمه الله تعالى.

(٣٤) الاختصار: تقليل اللفظ وتكثير المعنى إذ هو محمود شرعاً قال النبي عليه الصلاة والسلام («أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً)).

19

وأحرص (٣٥) على إيضاح العبارة(٣٦) وإيجازها بحيث يفهمها العامي ولا يستوعبها الفقيه(٣٧) لتعم فائدته وينتفع به القاصر(٣٨) والنبيه وقد صنف الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في المناسك كتاباً نفيساً وقد ذكرت مقاصده(٣٩) في هذا الكتاب وزدت فيه مثله أو أكثر من النفائس التي لا يستغني عن معرفتها من له رغبة من الطلاب وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي (٤٠) واستنادي (٤١) وهذا كتاب يشتمل (٤٢) على ثمانية أبواب (الباب الأول) في آداب السفر(٤٣) وفي آخره فصل فيما يتعلق بوجوب الحج (٤٤) (الباب الثاني) في الإحرام(٤٥) ومحرماته وواجباته ومسنوناته، (الباب الثالث) في دخول مكة زادها الله شرفاً وما يتعلق به (٤٦) وفيه ثمانية فصول (٤٧).

(٣٥) الحرص: شدة العناية بالأمر.

(٣٦) أي لأن الكتاب للفقيه وغيره.

(٣٧) الفقيه: العالم بمواقع ألفاظ العلماء وعباراتهم.

(٣٨) لوضوح عبارته، والقاصر: قليل الفهم.

(٣٩) أي ما يقصد منه بعبارة وجيزة وافية بالمراد.

(٤٠) التفويض: رد الأمور إليه تعالى رضاً بفعله.

(٤١) لأنه تعالى لا يرد من سأله وفوض أمره إليه.

(٤٢) أي اشتمال الكل على الأجزاء.

(٤٣) إنما سمي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.

(٤٤) أي مما جرت به العادة من ذكر مراتب الحج من الصحة المطلقة وصحة المباشرة والوقوع عن حجة الإسلام.

(٤٥) أي في الهيئة الناشئة عن نية الدخول في النسك.

(٤٦) أي من الطواف والسعي والوقوف بعرفة فما بعده.

(٤٧) ذكر المصنف رحمه الله تعالى في الفصل الثامن في المسألة الخامسة عشرة منه بعض حكم الحج وإليك أسرار الحج وذكرياته، ومنافعه دينية ودنيوية كما ظهر لي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن غير ذلك فأستغفر الله.

20