الحاوي الكبير
محقق
علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٩ هجري
مكان النشر
بيروت
وَالْجَوَابُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِحَمْدِ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ روي: " لم يبدأ بذكر الله ".
والثاني: يقدر اسْتِعْمَالِهِ، لِأَنَّ التَّحْمِيدَ إِنْ قُدِّمَ عَلَى التَّسْمِيَةِ خُولِفَ فِيهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ ذُكِرَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَقَعْ بِهِ الْبِدَايَةُ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَقَدْ بَدَأَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
وَالْجَوَابُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى ابتداء الخطبة دُونَ غَيْرِهَا، زَجْرًا عَمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ من تقديم المنثور والمنظوم والكلام المنثور، وَإِنَّمَا كَانَ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا خَطَبَ فَتَرَكَ التَّحْمِيدَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ ".
وَالثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] . وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] . وَلَيْسَ فِي ابْتِدَائِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِمَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى دَالٌّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ فَقَدْ قَالَ: فَهُوَ أَبْتَرُ وَكِتَابُ الْمُزَنِيِّ أَشْهَرُ كِتَابٍ صنف، وأبدع مُخْتَصَرٍ أُلِّفَ، فَعُلِمَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخُطَبِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ وَالْكُتُبِ.
فَصْلٌ: وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي
أَنْ قَالُوا: لِمَ قَالَ: اخْتَصَرْتُ قَبْلَ اخْتِصَارِهِ؟ وَهَذَا كَذِبٌ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَرْجَمَ كِتَابَهُ بعد فراغه منه، وأراد ما قد اختصر بالاختصار.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ صَوَّرَ الْكِتَابَ فِي نَفْسِهِ مُخْتَصَرًا أَوْ أَشَارَ بِالِاخْتِصَارِ إِلَى مَا فِي نَفْسِهِ مُخْتَصَرًا.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: اخْتَصَرْتُ بِمَعْنَى سَأَخْتَصِرُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: فَعَلْتُ بِمَعْنَى سَأَفْعَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] بِمَعْنَى سَيَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] بِمَعْنَى سَيُنَادِي أَصْحَابُ الْجَنَّةِ.
فَصْلٌ: وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ
: إِنْ قَالُوا: لِمَ قَالَ: اختصرت هذه؟ وَ" هَذَا " كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ إِشَارَةً إلى حاضر معين كما أن ذلك إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاضِرٌ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَهَذَا جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، وهو مَوْضُوعُ الْكَلَامِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
1 / 9