أن يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة ارتكبها بينه وبين الله فله أن ينكر ذلك، إذ للرجل أن يحفظ دمه وماله وعرضه بلسانه، وإن كان كاذبا. (3)
أن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره. (4)
أن يصلح بين الضرائر من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه.
وقد تنبه الغزالي إلى خطر هذا الباب، فبين أن الكذب لا ينبغي أن يقترف كلما كانت له فائدة، بل يجب أن تكون فائدته أقوى وأظهر من فائدة الصدق، وإلا وجب أن يكون الرجل من الصادقين. وانظر قوله: «ولكن الحد فيه أن الكذب محظور، ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محظور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحظور الذي يحصل بالصدق أشد وقفا في الشرع من الكذب فله الكذب. وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الشرع فيجب الصدق. وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى . لأن الكذب يباح بالضرورة، ولحاجة مهمة. فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم.» ص141 ج3.
غير أن هذه الحيطة لا تلزم الرجل فيما يرى الغزالي إلا إذا كان يترك الكذب لغرض من أغراضه. أما إذا تعلق بغرض غيره فلا تجوز المسامحة بحق الغير، والإضرار به. وهذا من الغزالي نظر بعيد.
وقد استثنى من الكذب للمصلحة، الكذب على رسول الله بوضع الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي، فليس هذا من الأغراض التي تقاوم محظور الكذب على رسول الله، فإن الكذب عليه من الكبائر التي لا يقاومها شيء.
وضع القصص
وبهذه المناسبة، نذكر أن الغزالي صرح في الجزء الأول من الإحياء ص37 «من الناس من يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات، ويزعم أن قصده فيها دعوة الخلق إلى الحق» وهو يرى أن «هذه نزعات الشيطان، فإن في الصدق مندوحة عن الكذب» وهذا منه إسراف. بل هو نفسه أول من يؤاخذ على وضع القصص إن كان في وضعها مؤاخذة. ويكفي أن نعرف أنه يذكر في كتبه من قصص الأنبياء والصالحين، ما لم يقم على صحته أي دليل. والرواية الكاذبة ليست أقل خطرا من التأليف!
وكما جاز الكذب في سبيل الغاية، كذلك تجوز في سبيلها الغيبة. وقد صرح الغزالي بجواز الغيبة في المواطن الآتية: (1)
التظلم، فإن من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة، كان مغتابا عاصيا. أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى السلطان وينسبه إلى الظلم، إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به. ولا أدري لم لا تستباح أعراض الظالمين؟ (2)
صفحة غير معروفة