ولكن الوزارة كانت كلما تقدمت خطوة في إصلاحها ازدادت لهجة الصحف الأوربية في العيب عليها والطعن فيها، واشتدت وطأة الساسة في نقد أعمالها، ونشطت دسائسهم من حولها، وكان على رأس هؤلاء كلفن ومالت اللذان أدركا الآن - أو على الأصح وجها - إلى أن مهمتهما في مصر أصبحت استعجال الحوادث تمهيدا للتدخل العسكري ... •••
والحقيقة التي لا يماري فيها إلا المغرضون المبطلون أن البلاد كانت تشيع فيها روح الوطنية الصادقة التي تبرهن على صدقها بالأعمال لا بالأقوال، ولو أنه قدر للوزارة السامية أن تسير على هذا النهج لكان أثرها بعيدا في تاريخ مصر، بل وفي تاريخ القرن التاسع عشر كله، فلقد كانت تعد المسألة المصرية من كبريات المسائل في ذلك القرن ...
وليس أبلغ في الدلالة على وجود الوطنية العاملة في مصر مما نهض به أعضاء مجلس الشورى من جليل الأعمال في تلك المدة القصيرة التي عقد فيها جلساته «فإن أعمالهم في المجلس ومناقشاتهم تدل على مستوى ممتاز في الكفاية والغيرة الوطنية، وسداد الرأي، فقد طرقوا في مقترحاتهم ومناقشاتهم كل أبواب الإصلاح الذي تحتاج إليه البلاد في التعليم والقضاء والري والزراعة والمالية والاقتصاد والإدارة والمواصلات، وكانت خطبهم ومناقشاتهم وجيزة واضحة المعنى، بعيدة عن التطويل الممل والعبارات الجوفاء، وكانت لهم نظرات صادقة في كثير من الشئون وآراء صائبة تدل على سلامة المنطق والإلمام بالنظام النيابي وحسن الإحاطة بالشئون الحيوية، اعتبر لهم ذلك في مناقشتهم الخاصة بانتخاب الوكيلين والأغلبية المطلقة والأغلبية النسبية، وبحثهم في علاج الخلل الذي كان موضع شكوى الجمهور في مصلحة المساحة، ومناقشتهم في علاج غلاء الأسعار وتضخم المعاشات واستعجال إصلاح القضاء، ومقترحاتهم في نظام الري. وتأمل في الاقتراح الخاص بمشروع خزان أسوان وملاحظاتهم السديدة على مشروع قانون امتيازات العرب ومناقشاتهم في مشروع تعميم التعليم، تجد أنهم على قصر المدة التي اجتمع فيها المجلس قد بذلوا أقصى ما أمكنهم من الجهد لأداء واجبهم، وبدت منهم رغبة صادقة في أن يتابعوا البحث والدرس في فترة عطلة المجلس، وبرهنوا على أريحيتهم بما تعاهدوا عليه من أن ينشئ كل نائب مدرسة في بلده على نفقته، فبرهنوا على روح طيبة في تقرير العلم والبذل في سبيل الصالح العام.»
7 •••
وكذلك نستدل على وجود الروح الوطنية في مصر يومئذ بهاتين العبارتين اللتين نوردهما وندعو القارئ أن يتدبر فيهما.
أما أولاهما فهي ما كتبه دي فرسنيه في كتابه «المسألة المصرية» حيث يقول معلقا على مجلس النواب واختصاصاته: «إن كتاب ذلك العصر اجتهدوا في أن يسخروا من طلب الذين كانوا يطلبون توسيع اختصاص المجلس، حتى ليخيل إلى الذي يقرأ خطابات بعض الخطباء أن الوطنية المصرية كانت في ذلك الوقت تلفيقا، وأن وادي النيل لم يكن يحتوي إلا على فلاحين تحني العصا ظهورهم. فكل ما نرد به على هؤلاء الكتاب والخطباء، هو أن آباءنا كانوا أقل من هذا امتهانا للوطنية المصرية في عهدهم، وذلك أن نوابنا في سنة 1840 لم يترددوا في أن يتكلموا في خطبهم عن الرعاية الواجبة للوطنية المصرية الناشئة. فقد كانت هناك إذن وطنية مصرية ناشئة تستحق الرعاية في سنة 1840، ولست في هذا مبالغا ولا أنا ممن يحبون المبالغة، ولكن لا ريب في أنه كانت توجد في قلوب المصريين من أربعين سنة مضت مطامح كان من الممكن أن تراعى في حدود معتدلة. تلك حقيقة لا تحتمل جدلا، غير أن الذين كانوا يقبضون على حظ مصر لم يكونوا يرون من المصريين غير قوم مدينين، فلم يكونوا يعرفون في معاملتهم إلا مصلحة واحدة، هي مصلحة الدائنين الأوربيين التي يجب أن تقدم على ما عداها. وبذلك لم ينتبهوا إلى أن مثابرتهم على اعتبار مصر رهنا، وتدخلهم في شؤونها تدخلا أدى بحكومتها إلى أن تصير في أيدي الأجانب كانا قد انتهيا على طول الأيام بأن يجرحا شعور الشعب المصري الذي هو شعب حي مهما يقل القائلون في تعوده الطاعة والخضوع من أجيال.» •••
وأما ثانية العبارتين فهي ما كتبه من باريس سنت هيلير إلى قنصل فرنسا العام في مصر في السابع من أكتوبر سنة 1881 قال: «ليس من السهل علينا أن نقرر من هنا قوة هذه المطامح الشرعية ولا كيف يمكن إرضاؤها، ولكن هذه المطامح حقيقية إلى أعظم حد، ومبررة من بعض الوجوه إلى أعظم حد أيضا، فلا يمكن إهمالها ولا يمكن على الخصوص التفكير في خنقها.»
8
ليتدبر القارئ في هاتين العبارتين، وليتدبر فيهما كذلك من يريد أن يحكم على رجال ذلك العهد وفي مقدمتهم عرابي، وليشفق على أنفسهم الذين يرمون عرابيا ورجاله بالفوضى والجهل والأنانية، ليشفق هؤلاء على أنفسهم فلن يجدر بهم أن يظلوا يجهلون تاريخ هذا الرجل فيحملون الذين يعلمون حقيقة هذا التاريخ على الاستخفاف بهم والزراية عليهم، فليس أدعى إلى الاستخفاف بعقل رجل من أن تراه يجهل أمرا من الأمور ثم إذا هو يدلي فيه برأي قاطع في لهجة يتردد في اتباعها الراسخون في العلم ...
ونضيف إلى هاتين العبارتين قول كرومر: «ليس هناك ريب في أن حركة عرابي كانت من بعض الوجوه حركة قومية. وليس من شك كذلك في أنه لو ترك عرابي وأتباعه في القيام على الشئون من غير مراقبة، فإن حالة من أشد حالات الاضطراب كانت تنشأ في مصر، وإن تدخلا أجنبيا مسلحا من نوع ما كان يصبح ضرورة من الضرورات.» •••
صفحة غير معروفة