308

أحكام القرآن لابن العربي

الناشر

دار الكتب العلمية

رقم الإصدار

الثالثة

سنة النشر

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مَا لَزِمَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِعْيَارًا لِعَزَائِمِهِمْ وَإِظْهَارَ صَبْرِهِمْ فِي اللِّقَاءِ؛ فَكَانَ مَنْ كَسَرَ شَهْوَتَهُ عَنْ الْمَاءِ، وَغَلَبَ نَفْسَهُ عَلَى الْإِمْعَانِ فِيهِ إلَّا غَرْفَةً وَاحِدَةً يُطْفِئُ بِهَا سَوْرَتَهُ، وَيُسْكِنُ غَلِيلَهُ، مَوْثُوقًا بِهِ فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ فِي الْحَرْبِ وَكَسْرِ النَّفْسِ عَنْ الْفِرَارِ عَنْ الْقِتَالِ، وَبِالْعَكْسِ مَنْ كَرَعَ فِي النَّهْرِ وَاسْتَوْفَى الشُّرْبَ مِنْهُ، وَهَذَا مَنْزَعٌ مَعْلُومٌ لَيْسَ مِنْ الْيَمِينِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدَرٍ.
[الْآيَة الثَّانِيَة وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ]
قَوْله تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قِيلَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
الثَّانِي: أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلَى الْجِزْيَةِ؛ وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ رَأَى قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْ جِنْسٍ تُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ؛ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ إذَا لَمْ يَعِشْ لَهَا وَلَدٌ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إنْ عَاشَ أَنْ تُهَوِّدَهُ تَرْجُو بِهِ طُولَ عُمُرِهِ، فَلَمَّا أَجْلَى اللَّهُ تَعَالَى بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَبْنَائِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
[مَسْأَلَةٌ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى لَا إكْرَاهَ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: (لَا إكْرَاهَ): عُمُومٌ فِي نَفْيِ إكْرَاهِ الْبَاطِلِ؛ فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ مِنْ الدِّينِ؛ وَهَلْ يُقْتَلُ الْكَافِرُ إلَّا عَلَى الدِّينِ؛ قَالَ ﷺ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ».
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]

1 / 310