542

كان الحطيئة سؤولا جشعا فقدم المدينة وقد أرصدت له قريش العطايا والناس في سنة مجدبة وسخطة من خليفة فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض فقالوا قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر والشاعر يظن فيحقق وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله فإن أعطاه جهد نفسه بهرها وإن حرمه هجاه فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئا معدا يجمعونه بينهم له فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين دينارا حتى جمعوا له اربعمائة دينار وظنوا أنهم قد أغنوه فأتوه فقالوا له هذه صلة آل فلان وهذه صلة آل فلان وهذه صلة فلان فأخذها فظنوا أنهم قد كفوه عن المسألة فإذا هو يوم الجمعة وقد استقبل الإمام مائلا ينادي من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم

ووصف أبو عبيدة ومحمد بن سلام شعر الحطيئة فجمعت متفرق ما وصفاه به في هذا الخبر أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام وابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا

كان الحطيئة متين الشعر شرود القافية وكان دنيء النفس وما تشاء أن تطعن في شعر شاعر إلا وجدت فيه مطعنا وما أقل ما تجد ذلك في شعره

قالا فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير فقال له قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك وقال أبو عبيدة تبدأ بنفسك فيه ثم تثني بي فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع فقال كعب

( فمن للقوافي شانها من يحوكها

إذا ما ثوى كعب وفوز جرول )

( كفيتك لا تلقى من الناس واحدا

تنخل منها مثل ما نتنخل )

( نقول فلا نعيا بشيء نقوله

ومن قائليها من يسيء ويجمل )

صفحة ١٥٧