ويضيف أرسطو إلى هذه الأسباب العادية الأربعة، ما يمكن أن يكون خامسا - الله، السبب الأول، وهو غير مسبب، دفع السكون إلى مسيره المحير. وهذا هو الله الذي التقينا به من قبل عندما ذكرنا أنه موضوع التأمل في «البصيرة». وقد كانت لهذا الإله حياة طويلة باعتباره بداية ضرورية لسلسلة من الأسباب والمسببات التي لولاها لما كانت بداية، ولكنه لم يكن قط إلها معبودا بحرارة شديدة.
وأرسطو كذلك رجل يدعو إلى التوفيق، ويحاول أن يقارب بين الطرفين المتناقضين، في التفكير السياسي وفي كثير من غيره. ومما يميزه حقا أنه لم يكتب «جمهورية» عن دولة مثالية، وإنما قام بدراسات مقارنة دقيقة جدا عن العمل الواقعي للنظم الحكومية في مختلف المدن الحكومية الإغريقية، وهي دراسات من النوع الذي يألفه طلاب العلوم السياسية ونظم الحكم في أمريكا. ولم تصل إلينا هذه الدراسات، فيما خلا «دستور أثينا»، غير أن لدينا عنها آراء عامة مبنية عليها في كتابه «السياسة»، وهو لا يزال كتابا يدرس بعناية فائقة.
وقد قدم إلينا أرسطو عبارة من أشهر العبارات في الكتابات السياسية، وتلك هي «أن الإنسان حيوان سياسي أو اجتماعي»، وكثير من السياسة ليس إلا توسعا في هذه العبارة، أو جهدا لعلم اجتماعي في السياسة هو أيضا مجموعة من القواعد الخلقية؛ فأرسطو، والرجل الأثيني المتعلم التقليدي - فيما نحسب - في التاريخ العظيم، يرى أن مثل هذه العبارة لهربرت سبنسر: «الفرد والدولة» لا معنى لها؛ فالفرد عند أرسطو جزء لا يتجزأ من الجماعة التي نسميها الدولة، وليس بوسعه أن يحيا حياة طيبة إلا في داخل الدولة. غير أن أرسطو لم يؤمن بالحكومة الشاملة، أو بحكم الاستبداد؛ فليس الفرد عنده مجرد واحد من رعية خاضعة لدولة تملك كل القوى؛ فالمواطن في الدولة الصحيحة له ما ألفنا أن نسميه في النظريات السياسية حقوقا. وليست الدولة وحدة، وإنما هي مجموعة أفراد؛ مجموعة فيها صراع خلقي، صراع يتضمن حقوق الأفراد.
ولم يكن أرسطو من دعاة المساواة؛ فهو يعتقد أن الرق طبيعي، وأن بعض الأفراد قد ولدوا ليكونوا أرقاء. وقد سبق بفكره، إلى حد ما، ما أمسى فيما بعد النظرية العضوية في الدولة - بمعنى أن كل فرد يولد لمكانة ما، ولوضع ما، وأن الدولة الطيبة هي تلك التي يكون لكل فرد فيها مكانته التي أرادتها له الطبيعة.
ويشغل أرسطو جانبا كبيرا من كتابه بتصنيف أنواع الحكومات القائمة ونقدها. وتحتوي «جمهورية» أفلاطون تصنيفا للحكومات يتخذه أرسطو قاعدة له. والحقيقة التي تهمنا هي أن من هذا التصنيف اشتق كثير من مصطلحات النظريات السياسية، وكثير أيضا من موضوعات الجدل السياسية، التي لا تزال قائمة حتى اليوم. يميز أرسطو بين ستة أنواع من الحكومات؛ ثلاثة منها مرغوب فيها، وثلاثة أخرى انتكاس لها. ولكل نوع من الأنواع الثلاثة الطيبة فضائله، ويمكن لكل نوع منها في الأحوال التي تلائمه أن يكون نوعا طيبا من الحكم، ويمكن لكل نوع منها أن ينحط إلى نوع سيئ جدا من الحكم.
والأنماط الستة هي: «الملكية»، وهي حكم رجل واحد متفوق، وانتكاسها «الاستبداد»، الذي يتحكم فيه الحاكم المفرد - الذي ليس في الواقع متفوقا في فضائله - بسبب امتلاكه القوة. و«الأرستقراطية»، وهي حكم الأقلية، ولكنها الأقلية الأحكم والأفضل، وانتكاسها «الأوليجاركية»، وهي أيضا حكم الأقلية، ولكنها ليست الأقلية الحكيمة، وإنما هي الأقلية صاحبة القوة، التي قد تعتمد قوتها على الثراء، أو السلاح، أو على قدرتها على تناول الآخرين. وهناك «البوليتيا» (أو الجمهورية الدستورية، وليست لهذه الكلمة ترجمة جيدة)، وهي دولة تقوم على حكم الشعب، والمساواة التقريبية، ولكنها دولة كل المواطنين فيها فضلاء. و«الديمقراطية» هي انتكاس البوليتيا، التي تحكم فيها الكثرة، وهم العامة، غير المدربة، غير الفاضلة.
ويدرس أرسطو الطريقة التي ينقل فيها الشكل من هذه الأشكال إلى غيره، وهو بعبارة أخرى لا يقف عند حد الوصف الثابت لأشكال معينة من الحكم، وإنما يحاول ديناميكية الحكم. ثم إن أرسطو - كما لاحظنا عند الإشارة إلى اعترافه بإمكان وجود أشكال مختلفة من الحكم - يهتم بإبراز العلاقات بين المثل والظروف الفعلية. ليس هناك شكل واحد كامل، وإنما هناك أشكال تطبق - تطبيقا حسنا أو سيئا - على الحدود التي ترسمها الظروف. ومن ثم فإن أرسطو هو - إلى حد ما - ما أسميناه فيما بعد بالنسبي، وكثير من هذا الجانب من تفكيره يلائم صاحب العقل الجامد، العالم، الرجل الذي يهمه أن يعرف الحدود الأرضية للجهد البشري في السياسة.
غير أن أرسطو ليس البتة جامدا (دنيويا) بالمعنى الحديث؛ فما أبعده مثلا عن أن يكون مكيافيليا، وما يسميه الديمقراطية يعده انتكاسا للبوليتيا الهادئة المتمسكة بالقانون، التي يتساوى فيها الناس ظاهرا، دون مغالاة في المساواة. ولاحظ أن تمييزه بين الأشكال الطيبة والأشكال السيئة من الحكم هو أن للأولى «فضيلة» وفيها «خير»، وأن الثانية ليس لها إلا «القوة» و«الثراء» و«الأعداد»، وما إلى ذلك. ولم يكن أرسطو واقعيا بالتأكيد بالمعنى التقليدي الحديث للكلمة، ويكاد يحس إحساسا قويا، كما أحس أفلاطون، أن مجرد النجاح فوق هذه الأرض لا يكفي، حتى في السياسة؛ فليس النجاح الدنيوي إلا بداية الإخفاق، ما لم يكن نجاحا خلقيا، نجاحا يتفق وخطة هذا الكون، أو الغرض منه.
وقد انصرف أرسطو - كما انصرف أفلاطون من قبل - عن العالم الجاف؛ عالم المدن الحكومية المتصارعة، عالم النضال الطبقي، عالم النجاح والإخفاق، إلى عالم آخر أفضل، وأنقى، وأكثر استقرارا. وهو ليس بالعالم غير الدنيوي الصارم كعالم الملك الفيلسوف عند أفلاطون، بل إن أرسطو في الواقع قد صدم صدمة قوية من رأي أفلاطون في الاستغناء عن الأسرة، ومساواة المرأة بالرجل، إنما عالمه المثالي يبتعد قليلا عن عالمنا - وعالمه - الواقعي. غير أن تلك الفجوة الصغيرة التي تفصل بيننا وبين عالم أفضل تبدو للكثيرين شديدة العمق، ولم ينجح أرسطو قط في تبيان الطريقة التي نعبر بها هذه الفجوة.
ومن الواضح أن أرسطو لم يكن ماديا، بل إن فكرته عن الهدف (أو التليولوجي)، فكرته عن الحياة هنا فوق هذه الأرض من أنها جهاد نحو الأفضل، أو نضال الصورة في أن تتحكم في المادة - هذه الفكرة جذبت أجيالا من المفكرين، واستخدمتها المسيحية دون تردد. كما أن مصطلحاته لم تمح قط من مجال الفلسفة. ويبدو لمؤسسي العلم الحديث في القرنين السادس عشر والسابع عشر، الذين تزعموا الثورة على سلطانه، أنه يستخدم منطقا استنباطيا قاحلا، لا يترك مجالا للتجربة المثمرة والاستقراء. بيد أنه لم يفتقر إلى الإتباع، وقد يعيش طويلا باعتباره وسيطا عظيما بين الباحثين القلقين عن المثالي - أو الحقيقي.
صفحة غير معروفة