على أن هذه - دون شك - تطورات لا تعرفها ولن تعرفها إلا المجتمعات الصناعية المتقدمة، أما المجتمعات المتخلفة فما زالت بعيدة كل البعد عن ممارسة هذا النوع من الترف الفكري، فالمشكلة الأساسية التي تشغلها في الوقت الراهن، وستظل تشغلها طويلا في المستقبل، هي بلوغ مستوى من التقدم التكنولوجي ومن التطور العلمي يتيح لها أن تتمتع بالحريات التي حققها العلم للمجتمعات المتطورة منذ عهد بعيد، وما زال الكفاح فيها يدور حول ضمان حد من العلم والتكنولوجيا يسمح للإنسان فيها بأن يشعر بآدميته. أما تلك المشكلات الناجمة عن تحول العلم والتكنولوجيا إلى كائن له كيانه الخاص المستقل عن الإنسان، وله قوانينه الخاصة التي تطغى على الإنسان ذاته، وله حياة ذاتية ونوع من التطور التلقائي الذي قد يتجاوز أو ينحرف عما رسمه له الإنسان من خطط. أما هذه المشكلات فما زال العالم المتخلف بعيدا عن مواجهتها، ومن الجائز أنه لن يواجهها في المستقبل أبدا، لا لأن تطوره لن يصل إلى الحد الذي يتيح ظهور مشكلات كهذه، بل لأن المجتمعات الأكثر تطورا ستكون، على الأرجح، قد تمكنت من حل هذه المشكلات خلال الوقت غير القصير الذي سيستغرقه وصول المجتمعات المتخلفة إلى هذا المستوى.
ولعل أولى المشكلات التي يراد لها حل عاجل - التي نأمل ألا يضطر العالم المتخلف إلى مواجهتها يوما ما - هي مشكلة القضاء على الخصوصية في المجتمعات الصناعية الشديدة التقدم، في الولايات المتحدة بدأت ترتفع أصوات كثيرة تنبه إلى الخطر الذي تتعرض له الحرية الشخصية للمواطنين من جراء انتشار «بنوك المعلومات» حيث تختزن العقول الإلكترونية معلومات عن أدق أسرار ملايين المواطنين، وتضيف إلى البيانات الموجودة استنتاجاتها الخاصة، المستمدة من تحليل المعلومات المعطاة، وحيث تستغل هذه البيانات والاستنتاجات ضد كثير من الأشخاص أسوأ الاستغلال، فإذا أضفنا إلى ذلك التقدم المذهل في أدوات التجسس الحديثة، والقدرة على التصنت لما يدور وراء الجدران بآلات شديدة الدقة لا تكاد ترى أو بأجهزة متنقلة تسلط على بيوت المواطنين من خارجها، وبآلات التصوير التي تنفذ أشعتها من الحوائط، إلى آخر هذه القائمة التي يتسع نطاقها دواما؛ لأدركنا مدى الخطر الذي يتهدد حرية الإنسان الشخصية من جراء تقدم العلم التطبيقي، فحياة الإنسان الخاصة توشك أن تصبح حياة عامة معروفة للجميع، أو لمن يريد الاطلاع عليها، والحد الفاصل بين النشاط العام والنشاط الخاص يوشك على الاختفاء؛ بحيث يعجز المرء عن ممارسة أبسط حرياته؛ أعني حرية السلوك بوصفه فردا له كيانه الخاص ومشاعره الشخصية التي لا يحق لأحد أن يتدخل فيها.
هذه الأخطار التي أصبحت حقيقة واقعة في أكثر البلاد الصناعية تقدما، تعد مثلا واضحا لرد الفعل العكسي الذي يمكن أن يحدثه التقدم المفرط في العلم التطبيقي؛ فالتكنولوجيا التي تستهدف أصلا تحرير الإنسان من عبودية العمل الشاق، وتيسير جميع سبل الحياة أمامه؛ تنقلب في هذه الحالة إلى أداة للقضاء على أكثر الحريات الشخصية قداسة. ومن المؤكد أن كثيرا من المتشائمين يعممون هذا الحكم بحيث يتصورونه جزءا من طبيعة التقدم التكنولوجي ذاته، ومن هنا كانوا يحذرون البشرية من الأخطار التي يعرضها لها تقدم التكنولوجيا في العصر الحديث، ويحلمون بالعهود البائدة التي كان الإنسان فيها متصلا بالطبيعة اتصالا بريئا مباشرا، وكانت حياته خالية من تعقيدات العلم الحديث: النظري منه والتطبيقي.
ولكن هذه كلها أحلام واهمة؛ إذ لا سبيل إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولا جدال في أن حكمنا على هذه المسألة كلها سوف يختلف اختلافا جذريا إذا نظرنا إلى عيوب التكنولوجيا الحديثة هذه، لا على أنها عيوب كامنة في التقدم العلمي التطبيقي ذاته، بل بوصفها ناتجة عن إساءة استغلال أنظمة اجتماعية وسياسية معينة لهذا التقدم، في هذه الحالة يمكننا أن نأمل في أن يتخلص التطور المقبل للتكنولوجيا من هذه العيوب، ويسير في طريقه محررا شخص الإنسان من القيود، بدلا من أن يفرض عليه ألوانا من العبودية أقسى وأفظع من تلك التي كان يعانيها في أشد العصور تخلفا.
خاتمة: الحرية الشخصية وكفاح العلم
العلم بطبيعته كفاح متدرج شاق في سبيل الوصول إلى حقيقة تختفي وراء ضباب الظواهر الجزئية المعقدة المتداخلة، وهو سعي مستمر في سبيل التغلب على عقبات لا نكاد نجتاز واحدة منها حتى تظهر أمامنا عشرات، والعلم أيضا مجهود يتحقق فيه الاتصال بين العقول على أكمل صورة؛ فالعلم لا يمكن تصوره بوصفه مجهودا فرديا. صحيح أن قدرا كبيرا من العمل العلمي يدور في ذهن العالم المنفرد. ولكن قليلا من التفكير يكشف لنا عن أن ما نسميه «بذهن العالم المنفرد» هو في حقيقته ذهن تجمعت فيه حصيلة معارف إنسانية هائلة تمتد من أبعد عصور التاريخ إلى أقربها، وخلاصة تجارب استمدت من ماضي البشر ومن حاضرهم، وهو ذهن أسهمت في تكوينه التربية - أعني التراث الإنساني كله - والتوجيهات والانتقادات والقراءات التي تربط المرء بمعاصريه وبسابقيه أوثق الارتباط، وبعد هذا كله فإن هذا الذهن الفردي لا يستطيع أن يمضي في بحثه العلمي إلا بعد أن يضعه في الإطار الواسع للمعرفة السائدة في عصره، ولا يستطيع أن يدرك قيمة عمله إلا بعد أن يصدر عليه الآخرون حكمهم في ضوء تجاربهم ومعارفهم المتعددة الأبعاد.
وبفضل هاتين الصفتين: صفة السعي التدريجي البطيء من أجل بلوغ الحقيقة، وصفة الاتصال والارتباط الدائم بين الفرد وبين الآخرين (سواء أكان هؤلاء الآخرون معاصرين أو تاريخيين)، استطاع العلم أن يكون أداة فعالة في تحقيق حرية الإنسان، فحرية الشخص الإنساني بقدر ما تكون مرتبطة بالعلم ومعتمدة عليه، هي بدورها كفاح متدرج بطيء، وهي بدورها تضافر وتواصل مع الآخرين من أجل بلوغ هدف مشترك.
على أن هذه النظرة إلى الحرية - بصفتيها اللتين ذكرناهما الآن - قد وجدت في الآونة الأخيرة فلسفة تنكرها، وتجعل للحرية صفات أخرى تؤدي - في نهاية الأمر - إلى فصم تلك الرابطة الوثيقة التي رأينا - طوال هذا البحث - أنها تجمع بين الحرية الشخصية والعلم. هذه الفلسفة هي الوجودية التي تعد مشكلة الحرية من أهم الموضوعات التي دار حولها تفكير أقطابها.
ولسنا في هذا المقال - وفي جزئه الختامي بوجه خاص - في وضع يسمح لنا بالدخول في تفاصيل الرأي الوجودي في الحرية. بل إن كل ما يهمنا في هذا الرأي هو ما يتصل منه بموضوع بحثنا، فهذا الرأي - في عمومه - يتعارض تعارضا أساسيا مع وجهة النظر التي كنا نحاول إثباتها في هذا البحث، والتي تجعل العلم شرطا ضروريا للحرية الشخصية من جهة، وتجعل الحرية - من جهة أخرى - دعامة أساسية من دعامات التقدم العلمي.
إن الحرية في المذهب الوجودي مرتبطة بوضع الإنسان في هذا العالم، إنها ماهية الموقف الإنساني نفسه؛ إذ إن وجود الإنسان - متميزا عن وجود الأشياء أو غيره من الأحياء - هو وجود حر، يعني أنه وجود يتجاوز ذاته دواما، ولا يكون لحاضره معنى إلا في إطار المستقبل الذي يتجه إليه، أو «المشروع» الذي يلقي بنفسه نحوه، وسواء أكان نوع الحياة التي يحياها الإنسان مما يدخل - تبعا لتصنيفاتنا العادية - في فئة حياة الحرية أو حياة العبودية، فإن الإنسان في نظر الوجوديين حر لمجرد كونه إنسانا، ولأنه بفضل إنسانيته يكتسب شكلا خاصا من أشكال الوجود، يصنع فيه «ماهيته» على الدوام، ولا يجدها تامة مكتملة، وتظل الإمكانات أمامه مفتوحة لكي يشكل بها حياته على النحو الذي يرسمه في «مشروعه»، والقوة المحركة لهذا «المشروع» هي قدرة الإنسان على الرفض أو النفي
صفحة غير معروفة