أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية
الناشر
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
رقم الإصدار
السادسة
سنة النشر
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
مكان النشر
بيروت - لبنان
تصانيف
نبي الله ﷺ كان القرآن"، قال: "فهمت أن أقوم ولا أسأل عن شيء حتى أموت" (١).
لقد تمثّلت في النبي ﷺ خصائص المنهج الرّبّاني في الحياة البشرية كما تمثّلت في حياته تفاصيل ذلك المنهج، فالذي شاهد حياته وأفعاله ﷺ فقد شاهد ذلك المنهج، ومن قبس منه، فقد قبس من النور الذي أرسله الله لهداية البشر. ومن هنا نعلم وجه وصفه بالسراج في الآية التي حددت مهماته ﷺ، إذ قال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ (٢).
إن مشاهدة الناس للمبادئ القرآنية متمثّلة في الواقع الأرضي البشري، يعطي لهم دفعات من الثقة والتصديق بذلك المنهج، لأنهم يرونه بعيونهم متحققًا، فيُسارعون إلى تطبيق تلك المبادئ، اقتداءً بمن رأوها متمثلة فيه. ولو أن القرآن نزل مجردًا عن رسول حامل له ممثِّل لما فيه، لتعوّقت كثير من النفوس عن امتثاله، توهّمًا أن ذلك أمر صعب المنال، أو لا يمكن تحقيقه في واقع الحياة.
هذا وإن الذين شاهدوه ﷺ بأعينهم، تأثّروا به، وتعلّموا منه على أتم ما يمكن من أحوال هذه الطريقة.
ولكن الذين لم يشاهدوه يتيسّر لهم الاطلاع على أفعاله وأحواله بما نقل إليهم عن طريق الذين شاهدوه، ويكون هذا الاطلاع وسيلة قريبة من المشاهدة، تؤدي إلى ثمارٍ قريب من ثمار المشاهدة. فهو قدوة متجددة حيثما ذكرت سيرته وأخباره وأحواله ﷺ.
وقد تمثّلت فيه ﷺ صور متنوعة، كل منها يوضّح للبشر كيف يكون الملتزم بالمنهج الرباني في ناحية معينة من نواحي الحياة.
فالعالم يرى في محمد ﷺ الصورة السامية المثاليّة للعالم، والعابد يرى فيه
_________
(١) الحديث بأتم من هذا. رواه مسلم ٦/ ٢٦ وأحمد وأبو داود.
(٢) سورة الأحزاب: آية ٤٥
1 / 45