ولكنه لنكولن الذي لا يعرف الخور والذي لا يطيش في الملمات صوابه، إنه الرجل الذي تزداد عزيمته مضاء بقدر ما تزداد الحادثات عنفا وخطرا، والذي تزداد قناته صلابة كلما ازدادت الخطوب فداحة والأعباء ثقلا واستفحالا.
عقد أبراهام مجلس وزرائه وأخذ يناقش الأعضاء ويناقشونه، وهو من أول الأمر لا يؤمن بعدالة ما فعله ولكس، وبعد جهد استطاع أن يحمل المجلس على قبول رأيه، ثم أعلن بعدها في شجاعة وحزم إطلاق الرسولين! وأجاب على إنذار الحكومة الإنجليزية برسالة متينة، جاءت دليلا قويا على حكمته وبعد نظره، رسالة احتفظ فيها بكرامة بلاده وعزة قومه، وجنبها بها في الوقت نفسه خطرا ما كان أغناها عنه يومئذ.
ذكر لنكولن في رده على الحكومة الإنجليزية أنه إنما يعتذر عما حدث لأنه يتنافى مع مبادئ أمريكا نفسها، ولئن كان ما فعله ولكس عدوانا، فإن حمل إنجلترة رسولين من الجنوبيين في سفينة من سفنها عمل فيه معنى العدوان؛ وذلك لأنه خروج على مبادئ الحياد.
وما كان لإنجلترة أمام هذا المنطق القوي وهذا العمل المنطوي على الشجاعة والكياسة، إلا أن تبدي ارتياحها، وإن كانت لتخفي غيظها من إفلات الفرصة التي كانت تؤدي بها إلى محاربة الولايات الشمالية، وقلما واتت إنجلترة فرصة لتعكير المياه إلا عكرتها؛ لأنها تحسن الصيد في الماء العكر.
ولكن الرئيس لقي في بلاده من السخط والاستياء ما لم يكن يقوى على مواجهته غيره، ولو كان في مكانه غيره لخيف على مكانته في القلوب أن تتزعزع؛ فلقد أخذ يرتاب فيه حتى أشد أنصاره تحمسا له، أما المبطلون فقد وجدوا فرصة يصفون فيها عمله بالجبن والخور.
ولكنه بينه وبين نفسه يعتقد أنه أسدى صنيعا إلى قومه لا يدركه إلا العقلاء، الذين لا يجعلون للعواطف في كل وقت سلطانا على أعمالهم. قال مرة يرد على الساخطين: «لقد حاربنا بريطانيا العظمى مرة لأنها فعلت عين ما فعله الكابتن ولكس، فإذا ما رأينا إنجلترة تحتج على هذا الفعل وتطلب إخلاء سبيل الرسولين، فواجبنا ألا نخرج على مبادئنا التي ترجع إلى عام 1812، يجب أن نطلق هذين السجينين وحسبنا حربا واحدة في وقت واحد.»
ومضى الرئيس بعدها يؤدي للإنسانية وللوطن رسالته، وإننا لنرى هذا الجبار الذي درج من بين الأحراج والأدغال يحمل العبء وحده في الواقع، بل إنه كما ذكرنا ليلاقي مما يفعل كثيرا من أكابر رجاله أعباء تضاف إلى أعبائه، ولكنه معود حمل الأعباء ومواجهة الأنواء.
وإنه ليسأل نفسه: ألم يأن لهؤلاء الرجال أن يعملوا كما تحتم الظروف؟ وماذا كان يضير فريمونت لو أنه رجع إليه؟ ثم ماذا كان يضير ماكليلان لو أنه خفض جناحه وألان جانبه وأخذ الأمور بالشورى؟
على أن العاصفة لا تهدأ في جهة إلا لتنبعث من جهة أخرى؛ فها هو ذا قائد آخر يفعل مثل ما فعل فريمونت أو أشد منه، وذلك هو هنتر الذي كانت له القيادة في كارولينا الجنوبية.
كان هنتر أكثر جرأة من فريمونت أو على الأصح أكثر نزقا، فلقد أعلن أن العبيد في فرجينيا وفلوريدا وكارولينا الجنوبية أحرار بعد اليوم إلى الأبد.
صفحة غير معروفة