قال عم كامل لعباس الحلو: ليس وراء نصح السيد رضوان مذهب لناصح، فاجمع شتات نفسك وتوكل على الله وسافر، وسوف أنتظرك طال الزمن أو قصر، وستعود بإذن الله ظافرا وتكون على رأس حلاقي هذا الحي جميعا.
وكان الحلو يجلس على كرسي أمام دكان البسبوسة غير بعيد من عم كامل ينصت إلى صاحبه دون أن ينبس بكلمة، ولم يكن باح لأحد بسره الجديد، وقد هم حين نصحه السيد رضوان الحسيني بالإفصاح عما يثقل كاهله، ولكنه تردد لحظة فوجه السيد خطابه إلى حسين كرشة، وسرعان ما عدل عما قام بنفسه. ولم تضع نصيحة السيد رضوان هباء، فتفكر فيها مليا، بيد أن يوم الأحد استحوذ على الشطر الأكبر من أفكاره، وكان مضى على اللقاء الغريب في حانوت الورد ليلة ونهار، فقلب وجوه الفكر في هدوء وأناة وعرف في النهاية أنه لا يزال يحب الفتاة، وإن كانت أسبابهما قد انقطعت إلى الأبد، وأن رغبته في الانتقام من غريمه لا تقاوم، وقد أنصت إلى كلام عم كامل صامتا، ثم تنهد من الأعماق تنهد إنسان تعس كبلته الأقدار بأغلال الشقاء، ووضعته على شفا جرف هار من الدمار. وسأله عم كامل بقلق: خبرني عما اعتزمت؟!
فنهض الشاب قائما وهو يقول: سأمكث هنا بضعة أيام أخر، على الأقل حتى يوم الأحد، ثم أتوكل على الله.
فقال عم كامل في إشفاق: ليس السلوان بالمطلب العسير إذا نشدته صادقا.
فقال الشاب وهو يغادر موضعه: صدقت! .. السلام عليكم.
ومضى وفي نيته أن يقصد حانة فيتا، حيث يظن أن حسين كرشة قد سبقه إليها عقب توديع السيد رضوان مباشرة. وظل فكره فريسة للأفكار القلقة، وقلبه نهبا للعواطف المضطرمة. إنه ينتظر يوم الأحد، وما يوم الأحد ببعيد، ولكن ما عسى أن يصنع إذا حان الحين؟! أيمضي إلى الموعد حاملا خنجرا ليغمده في قلب غريمه؟ لعل هذا ما يتحرق إليه بكل ما يمتلئ به قلبه من غضب وحقد وشقاء، ولكن هل يسعه ارتكاب الجريمة؟ هل تطيق يده تسديد الضربة القاتلة؟! وهز رأسه في شك وكمد وحقد؛ إنه أبعد ما يكون عن العنف والإجرام، وهذا ماضيه يشهد له بالوداعة والمسالمة، فما عسى أن يصنع إذا جاء يوم الأحد! وتضاعفت رغبته في لقاء حسين كرشة ليقص عليه قصة حميدة ويسأله المشورة والعون! بل العون قبل سواه؛ لأنه يبدو عاجزا بغير هذا العون. وفي هذه الحال من الإقرار بالعجز عاودته نصيحة السيد رضوان الحسيني «... عد إلى التل الكبير في أول فرصة، بل اليوم إن سمعت وأطعت .. إياك وأن تلقي برأسك في خضم الفكر أو أن تهن عزيمتك لقاء اليأس والغضب.» استحضر كلام السيد الذي أوشك أن ينساه، أجل، لماذا لا يطوي الماضي بأحزانه وينطلق في شجاعة وصبر في طريق السلوان والعمل؟ لماذا يحمل نفسه ما لا طاقة لها به؟ لماذا يعرض حياته لأهوال أخفها السجن؟ وارتاح إلى أفكاره الجديدة ولكن دون أن يقطع برأي حاسم، ولم تزل نفسه تنازعه إلى الانتقام، ولعل الانتقام لم يكن وحده الذي يستبد بشعوره، ولعله خاف العدول عنه؛ لأن في هذا العدول قطعا حاسما لهذا الخيط الواهي الذي وصله بحميدة أمس، وقد أبى أن يصدق أنه يستطيع العفو عما سلف، وقال وكرر القول - بداع وبلا داع: إن أسبابهما قد انقطعت إلى الأبد، ولكن هذا الإلحاح في القول نفسه أخفى رغبة - لعله لم يدرها - في استردادها ووصل ما انقطع من وشائجهما! فكان نزوعه إلى الانتقام ظلا لتعلقه بالمرأة التي يحبها ولا يطيق هجرها. وبهذا القلب الحائر قطع الطريق ودخل حانة فيتا. وكان حسين كرشة بمجلسه يكرع من النبيذ الأحمر ولما تلعب الخمر برأسه، فمضى إليه وحياه تحية مقتضبة، وقال برجاء حار: حسبك ما شربت، فإني أريدك لأمر هام .. هلم معي .
ورفع حسين حاجبيه منكرا، وكأنما كبر عليه أن يعكر القادم صفوه، ولكن عباس - وقد أذهله الهم عن وعيه - أمسك بذراعه وشده حتى أقامه وهو يقول: إني في مسيس الحاجة إليك.
فنفخ الشاب مستاء، ودفع ما عليه، وغادر الحانة برفقة صاحبه، وقد أصر عباس على انتزاعه من الحانة أن يغلبه السكر فلا ينتفع بمشورته.
ولما صار في الموسكي قال وكأنما يزيح كابوسا عن صدره: وجدت حميدة يا حسين.
فلاح الاهتمام في العينين الصغيرتين وسأله: أين؟ - ألا تذكر امرأة العربة التي عدوت وراءها أمس وسألتني عنها اليوم دون أن تظفر مني بجواب شاف؟ هي حميدة دون غيرها.
نامعلوم صفحہ