عندما انتصف النهار قيل لزيتون ورفقائه في القفص إنهم سوف ينقلون من معسكر جراي هاوند إلى مكان آخر. ووصل عدد من أوتوبيسات المدارس التي وقفت في الركن الأقصى من الساحة.
وأخرج زيتون من قفصه، ووضعت يداه في القيود، ودفع به إلى أحد هذه الأوتوبيسات، وأوقف السجناء صفا واحدا، ثم قيدت إحدى يديه إلى يد سجين آخر في الستينيات من عمره. كان ذلك أوتوبيس مدرسة عاديا، مرت عليه عقود وعقود، وأمر زيتون ورفاقه بالركوب، فانطلقوا فصعدوا الدرجات القليلة مارين بالسائق الذي يحمل السلاح وحفنة من الحراس المسلحين، ثم جلسوا، وصعد إلى الأوتوبيس تود وناصر وروني، وقد قيدت يد كل منهم إلى يد سجين جديد، ولم يخبر أي من السجناء الخمسين الذين ركبوا الأوتوبيس بالمكان الذي يتجهون إليه. وجال بصر زيتون بحثا عن جيري، لكنه لم يكن معهم، كان قد رحل.
وانطلق الأوتوبيس خارجا من المدينة في اتجاه الشمال، ولم يتحدث زيتون والرجل الذي قيدت يده إلى يده، بل لم يتكلم من المسجونين عدد يذكر. كان بعضهم يعرف، فيما يبدو، مقصد الأوتوبيس، وبعضهم لا يستطيع أن يتخيل ما سوف يحدث، والبعض الآخر يبدو سعيدا بالخروج أخيرا من محطة الأوتوبيسات، واثقا بأنه لن يشاهد أسوأ منها.
غادروا المدينة فشاهد زيتون أول مساحة خضراء منبسطة من اليابسة يشاهدها منذ العاصفة، وذكره المشهد بالوصول إلى المرفأ بعد رحلة بحرية طويلة، وكان الإغراء شديدا آنذاك بأن يقفز من السفينة ويرقص ويجري فوق الأرض الصلبة التي لا حدود لها.
وبعد أربعين ميلا شاهد زيتون لافتة في الطريق العام تشير إلى أنهم يقتربون من بلدة سانت جابريل، ورأى زيتون فيها أمارة إيجابية أو إشارة ذات نبرة ضاحكة مريرة؛ إذ يعتقد المسلمون أن الملاك جبريل، وهو نفسه غبريال الذي يقول الكتاب المقدس إنه حمل البشارة إلى مريم البتول وتنبأ لها بمولد يسوع المسيح، وهو الوحي الذي أنزل القرآن من عند الله على النبي محمد، وهم يصفونه بأن له ستمائة جناح، ويقول القرآن إنه صاحب محمدا في معراجه إلى السماوات.
وأبطأ الأوتوبيس عند مكان كان يشبه أولا النوادي الريفية؛ إذ كان المكان مساحة شاسعة مغطاة بالكلأ الأخضر وحولها سور أبيض، من النوع الذي يحيط في العادة بمزارع تربية الخيول في الريف. واستدار الأوتوبيس ومر من خلال بوابة بنيت من الطوب الأحمر، وعند المدخل شاهد زيتون لافتة تؤكد أين كانوا إذ تقول: مركز إلين هنت الإصلاحي. كان من السجون المشددة الحراسة، ولم تبد الدهشة على معظم ركاب الأوتوبيس، وكان الصمت مطلقا.
وانطلقوا في مدخل السيارات الطويل الذي تصطف الأشجار على جانبيه بانتظام، وطار سرب من الطيور فزعا عندما اقتربوا من بوابة أخرى، وكانت هذه تشبه بوابة دفع الرسوم في الطرق الطويلة. وأشار أحد الحراس للأوتوبيس بالدخول، وسرعان ما أصبحوا داخل أراضي السجن.
كان مركز هنت الإصلاحي مجمعا من المباني ذوات الطابق الواحد المشيدة بالطوب الأحمر، والمقامة وسط مساحة خضراء لا تشوبها شائبة. كان كل شيء مرتبا في شبكات منتظمة، وكانت الأسوار والأسلاك الشائكة التي تعلوها تلمع في وهج الشمس، وكان الكلأ ذا لون زاه، وقد شذب منذ فترة قصيرة، وكانت آلات الري بالرش تدور على البعد بأصواتها المميزة.
وبدأت إجراءات استقبال السجناء واحدا واحدا، عند مناضد وضعت خارج المباني، وكانت المقابلة الشخصية الخاصة بدخول زيتون موجزة ومستجوبوه مهذبين. سألته امرأتان عن صحته، وعن أي أدوية يتناولها، وأي قيود على طعامه، وأذهله ما لمسه فيهما من حذق للمهنة وما أبدياه من احترام له، وخطر له أن هذا المستوى المهني العالي قد يعني مراعاة الإجراءات القانونية المعتمدة - ومن بينها السماح للمتهم بإجراء مكالمة تليفونية - وهو ما يعني إطلاق سراحه بعد يوم أو يومين. وفي أقل القليل سوف تعرف كاثي أنه على قيد الحياة؛ إذ لم يكن يهمه غير ذلك.
وسيقوا إلى غرفة تغيير الملابس وأمروا بخلع ملابسهم كلها، ففعل زيتون ذلك، في حضور أكثر من عشرة رجال، ولم يكن يخشى في وجود هذا الحشد أي تفتيش ذاتي أو عنف، فخلع القميص والشورت واللباس الداخلي، ثم اقتادهم موظفو السجن إلى الخارج.
نامعلوم صفحہ