ولم يكن ثروت من المتفوقين في الدراسة على رغم ذكائه وقوة ملاحظته، بل كان ينجح فحسب ولا مانع من أن ينجح في الدور الثاني.
ومع ذلك فقد حدث وهو في المدرسة الابتدائية أن دخل أستاذ اللغة العربية وكتب أبياتا من الشعر على السبورة، وكانت [لمعروف الرصافي]:
1
انظر لتلك الشجرة
ذات الغصون النضرة
ولما انتهى من الكتابة سأل: من يقرأ هذه الأبيات؟ فقام ثروت وقال: أنا حفظتها، فاندهش المدرس وقال: أدر ظهرك للسبورة وسمع، ففعل ما أمر به الأستاذ وسمع الأبيات كلها بدون تردد. وفي مرة أخرى كتب له والده كلمات باللغة الإنجليزية ومعناها بالعربية وطلب منه أن يحفظها وبعد دقائق قليلة قال لقد حفظتها، فقال والده: لو أخطأت فسأعاقبك فأنت لم تأخذ الوقت الكافي لحفظها، وإذا لم تخطئ فسأعطيك ريالا. وكان الريال في هذه الأيام ثروة بالنسبة للأطفال، وفاز بالريال، ولكن مع ذلك لم يكن من التقدميين ولا المتفوقين في الدراسة.
وقد حدث مرة وهو في المدرسة الابتدائية أن أيقظوه على الرغم منه ليذهب إلى المدرسة؛ فما كان منه إلا أن ارتدى ملابسه ونزل إلى الطابق الأول وتوجه إلى غرفة الضيوف واستأنف النوم. وتكرر منه ذلك فصمم كبير الخدم (عم أحمد بخيت) أن يخبر والدته بالأمر؛ لأنه يعتبر نفسه من المسئولين عن أهل البيت.
وذات صباح سمع ثروت خبطا مروعا على باب حجرة الضيوف وكاد الباب أن ينخلع؛ فانزعج وفتح الباب فوجد نفسه وجها لوجه أمام والدته، فعنفته بشدة وأرسلته في الحال إلى المدرسة، ولما عاد لم يجد كبير الخدم الذي أفشى سره وعلم أنه سافر إلى قريته «غزالة» لأن ضميره لم يسمح له بالسكوت وفي نفس الوقت أحس أنه أغضب «ثروت». وعبثا حاولت الأم أن تطلب منه العودة، ولكنه قال لها في التليفون: لن أعود إلا إذا كلمني ثروت، وفعلا اتصل به وقال له إنه لا يحمل له حقدا أو ضغينة، ورجاه أن يعود فورا، وظل هذا الصفاء يلازمه طوال حياته، وقد أتم دراسته الجامعية دون مشاكل.
وكانت عائلة دسوقي باشا معتادة أن تقضي شهرين من الصيف في قريتهم «غزالة» وشهرا في رأس البر، ومن هنا اختلط ثروت بالفلاحين ودخل في أعماقهم، ولم تخف عليه خافية من حياتهم ولا من طباعهم، وعرف أن ما يقوله الكتاب عن الفلاح بأنه ساذج وصف خاطئ؛ فالفلاح المصري ذكي وحريص، وبناء على معرفته العميقة له كتب رواية عن القرية وهي «هارب من الأيام» التي قال عنها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: إنها أحسن ما كتب عن القرية في الأدب العربي.
وكان دسوقي باشا يجلس في «السلاملك» وحوله الفلاحون من غزالة ومن القرى المجاورة للتحية ولقضاء أشغالهم، ولم يدخر دسوقي باشا وسعا لمساعدتهم وخدمتهم حتى إن أحفادهم يحملون الجميل ويذكرونه حتى اليوم.
نامعلوم صفحہ