ولا شجاعة في الجري مع القطيع حين يثور ويعدو في الطريق الذي تدفعه إليه الغرائز الهوجاء، ولكن الشجاعة كل الشجاعة أن يقف الرجل أمام ذلك القطيع، ثم لا يتخلى عن مكانه حتى يصد القطيع أو يغلب على أمره غير مختار ولا ملوم.
وهذه الشجاعة الأدبية التي تعلو درجات على شجاعة الموت، وشجاعة العار هي الشجاعة التي نتمثلها في رومان رولان الذي يقول: «إن الإيمان - وليس النجاح - هو غاية الحياة.»
وهي هي التي نحتاج إليها - نحن الشرقيين - قبل كل حاجة، ونتحلى بها قبل كل حلية، ونجتزئ بها إذا كان لا بد من الاجتزاء بفضيلة واحدة من الفضائل تغني عن سائرها؛ لأن الأمة التي تحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد، أو يكون مجرد اقتدارها على تلك الفضيلة دليلا لا دليل بعده على امتناع أسباب الفساد.
ومن الخطأ البين أن يقال: إن التربية الحربية أو التربية العسكرية تخلق الشجاعة، حيث لم تخلق في طباع الأمم جيلا بعد جيل.
وأبين ما يكون ذلك الخطأ إذا قيل: إن الضعفاء يتعلمون الشجاعة بتلك التربية الحربية في العصر الحديث على التخصيص.
ولا نبدأ بالتعليل قبل أن نمهد له بالإشارة إلى الواقع الذي لا جدال فيه.
فهذا مثال الفاشية في إيطاليا غني عن الإفاضة في مراجعة المثلات وضرب الأمثال؛ لأن الفاشية زعمت أنها تبعث النخوة بعثا جديدا في بقايا الأمة الرومانية القديمة، وزعم أناس من الشرقيين مثل هذا الزعم، فظنوا أن التربية الحربية منذ الصبا الباكر صنعت في الأمة الإيطالية الأعاجيب، وهي خليقة أن تصنع مثل تلك الأعاجيب في النهوض بعزائم الشرقيين، وراح بعض الدعاة يحاكونها محاكاة لا ترجع إلى فهم ولا اختبار، وكل ما كانت ترجع إليه تخيل كاذب ومظهر خلاب.
والحق أن التربية الحربية أو العسكرية - كما كانوا يسمونها هناك - كانت أولى بالفلاح في التجربة الإيطالية، لو أنها كتب لها أن تفلح في بلد من البلدان.
لأنهم كانوا ينشئون الأطفال عليها من الخامسة، ويتعهدونهم بها إلى ما بعد العشرين، ومضى على التجربة منذ بدايتها نيف وعشرون سنة، بدأت قبل الزحف الفاشي على رومة، وانتهت قبل الزحف عليها بجيوش الحلفاء الديمقراطيين.
فماذا أفاد كل ذاك؟
نامعلوم صفحہ