وتتم غرابته لأنه يجمع من الأخطاء في بضعة أسطر ما يندر أن يجتمع منها في صفحات.
فبالأمس سمعنا دعوة إلى انفراد كل جنس بالكتابة عن جنسه، فلا يكتب عن المرأة إلا المرأة، ولا عن الرجل إلا الرجل، ولا يسمح للرجال أن يكتبوا عن الحوادث التي تدور وقائعها بين الرجال والنساء.
واليوم نسمع دعوة أخرى إلى انفراد كل جيل بالكتابة عن جيله الذي يعيش فيه، ولا يتعداه إلى جيل آخر، فلا يسمح لنا نحن أبناء العصر الحاضر أن نكتب عن شيء يتجاوز القرن التاسع عشر راجعا، أو القرن العشرين متقدما إلى الأمام.
رأي غريب لو صحت مقدماته وأسبابه. وإنه لأمعن في الغرابة حين نرجع إلى المقدمات والأسباب، فلا نرى مقدمة منها أو سببا يقوم على ركن صحيح.
إذ ليس بصحيح أن أبا بكر وعمر قد كتب عنهما مائتا كتاب إلى الآن؛ لأن الذي كتب عنهما إنما كتب عن الحوادث والأخبار في عصرهما، وهو مع ذلك لا يزيد على أصابع اليدين.
أما «الصور النفسية» التي تصور لنا كلا منهما على حقيقته الإنسانية، فلم توصف قط قبل هذا الجيل، ومتى وصفت صورة نفسية عن إنسان في زمن من الأزمان، فهي صورة عصرية تهم الإنسان حيث كان من أول الزمان إلى آخر الزمان.
بل الواجب المفروض على كل أمة تنبعث إلى الحياة أن تجدد فهم تاريخها، وتعقد الصلات الوثيقة ما بينه وبينها، ولا تقتصر على فهمه كما كانوا يفهمونه قبل مئات السنين.
وعلى أنه لو صح أن المصنفات التي كتبت عن عظماء التاريخ العربي فيها الكفاية، التي تغني عن المزيد من التصنيف والتصوير، فليس في ذلك حجة تتجه إلينا وتسوغ الملامة علينا.
لأننا لم نترك جيلنا الحاضر معرضين عن أبطاله وزعمائه وأصحاب الأثر في حياته القومية والوطنية؛ بل كتبنا عن «سعد زغلول» مجلدا ضخما يساير الحركة الوطنية من الثورة العرابية إلى اليوم الذي تمت كتابته فيه، وساهمنا بحصتنا في هذا الباب إن كانت هناك حصة مفروضة على كل كاتب في موضوع من الموضوعات. •••
ولكننا في الواقع لا نعتقد أن هناك واجبا مفروضا على الكاتب غير الإجادة في موضوعه الذي يتناوله كائنا ما كان.
نامعلوم صفحہ