وفي 20 آب أنزل أربعة آلاف رجل قرب «ميلتو» في منتهى المضيق الجنوبي واحتل «ريجيو» عنوة، وكانت ترابط في كلبريه قوة مؤلفة من 30000 من جنود نابولي، إلا أنه كان يتوقع أن يتغلب عليهم بحركاته الجريئة السريعة كما فعل في صقلية، وبالفعل لقد فاز بأكثر مما كان يتوقع، وفي سان جيوفاني سلم تسعة آلاف من جند نابولي أنفسهم طائعين بعد أن اغتالوا قائدهم «بريغانتي»، وهكذا قبض غاريبالدي على ضفتي المضيق، واجتازته قواته الباقية من دون مشقة وانضم إليه الثوار في القرى الواقعة على أطراف إسبرومونته.
ولما تقدم سالكا طريق الساحل التحق به آلاف من أهل كلبريه، وكان لا يزال لدى الحكومة النابولية في الإيالات عشرون ألفا يستطيعون المقاومة بثبات، متحصنين بالموانع الطبيعية المنيعة التي تعترض الطريق ، بيد أن الذعر انتشر بينهم بسرعة واختل ضبطهم بالدعاية الحرة ودسائس نوزيانته حتى أخذ الجنود والضباط يطالبون تسريحهم والعودة إلى بيوتهم.
وفي «كوزنزه» ألقت قوات كالداريلي سلاحها فور مطالبتها بذلك ويبلغ عددها سبعة آلاف، وفر القائد «فياله» ناجيا بنفسه؛ خشية أن يصيبه ما أصاب بريغانتي، وكان يسيطر على مضيق «مونته لئونه» وتبلغ قوته اثني عشر ألفا، ولما رأى أن العصابات الكلبريه قد أحاطت به سلم نفسه بلا مقاومة، وثارت إيالة باسيلكانة قبل خمسة عشر يوما من ذلك، وبهذا تحرر نصف المملكة من دون أن يطلق رجال غاريبالدي رصاصة منذ استيلائهم على ريجيو.
وأخذ غاريبالدي يتقدم في البلاد على رأس طليعته، ويكاد يكون بلا حرس بين حماسة الجماهير وهتافاتهم، وارتبك بلاط آل بوربون ارتباكا عظيما، وولد مجرد اجتياز غاريبالدي للمضيق الرعب في نفس فرنسوا حتى عرض على غاريبالدي في 27 آب بأن يعيره خمسة آلاف جندي لمقاتلة النمسويين أو لامورسيبر فيما إذا كف عن القتال.
وأخذ رومانو يتآمر جهارا، واجتمع أخيرا بغاريبالدي ودعاه إلى نابولي، ولما ورد نبأ عصيان الجنود في القرب من ساليرنه، وعزم الأسطول على التخلي عن الخدمة؛ ترك فرنسوا نابولي في 6 أيلول، وفي صباح اليوم التالي وصل غاريبالدي مع بعض رجاله إلى نابولي بقطار السكة الحديدية، رغم أن القوات الملكية لا تزال تحتل مواضع قوية من شأنها أن تجعل غاريبالدي والمدينة كلها تحت رحمتها، إلا أنه استقل القطار وأتى إلى المدينة دون أن يكترث للخطر المحدق به، أما الجنود فانسحبوا دون أن يقلقوا راحة الضيوف القادمين.
ويوم دخل غاريبالدي نابولي أرسل كافور إنذارا إلى أنتونللي وطلب فيه أن يسرح المتطوعين الكاثوليك الأجانب؛ لأن وجودهم يهين كرامة الطليان ويهدد سلامة أهل أومبرية، وبعد مرور يومين أنذر فانتي قائد القوات المحتشدة على الحدود لامورسيبر بأنه إذا أقدم على أي عمل يمس الحركة القومية أو يعرقل سيرها فإن ذلك سيؤدي إلى احتلال الأملاك البابوية.
وقد وردت الرسالتان إلى روما في اليوم ذاته فاعتزم الكرادلة القتال، ولم تكن قوات لامورسيبر المختلطة تبلغ العشرين ألفا أكثرها من المتطوعين الذين يعوزهم النظام، وكانت القطعات النظامية مستاءة، فقد اعتزم لامورسيبر أن يقمع كل معارضة بأقصى الشدة.
اجتاز المتطوعون القوميون الحدود في اليوم المقرر، وكانوا يتقدمون الجيش البيمونتي المتفوق الذي شرع بالحركة في 10 أيلول؛ أي قبل أن يصل جواب أنتونللي وكانت قوته تبلغ 35000 بقيادة فانتي، وقد انقسم إلى قسمين: القسم الأول بقيادة «ديللا روكا» وتقدم في أومبريه نحو بيروزه، والقسم الآخر بقيادة جيالديني توغل في المارك نحو الكاثوليكا، وهدفه إنكونة. وكان لامورسيبر قد وزع قواته في أومبريه والمارك متخذا إنكونه قاعدة لحركاته.
وقد نشبت في 18 أيلول معركة فوق روابي «كاستل فيد اردو» استطاع فيها جيالديني أن يسحق بقواته البالغة ثلاثة عشر ألفا خمسة آلاف من الجنود الباقية لدى لامورسيبر الذي هرب مع بعض جماعته إلى إنكونه تاركا الجنود المبعثرين بلا قائد، على أن إنكونه دافعت عن نفسها ببسالة ضد مدافع جيالديني وأسطول برسانو واستسلمت في 24 أيلول.
وكانت أرتال ديللا روكا قد اقتربت من روما حتى وصلت إلى موقع يبعد نحو مسيرة ثلاث ساعات، وعلى الرغم من وجود الحامية الإفرنسية في روما فإن المدينة كانت تنتظر دخول البيمونيين بفارغ الصبر، وقد أعد كل بيت العلم المثلث الألوان ليحيي به الملك فيكتور عمانوئيل، وكان البابا ينوي الهروب لولا المشقة العظيمة التي لقيها «جرامون» في ردعه.
نامعلوم صفحہ