368

وحی القلم

وحي القلم

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى ١٤٢١هـ

اشاعت کا سال

٢٠٠٠م

علاقے
مصر
سلطنتیں اور عہد
عثمانی
ليست قصة التخيير هذه مسألة من مسائل الغنى والفقر في معاني المادة، ولكنها مسألة من مسائل الكمال والنقص في معاني الروح؛ فهي صريحة في أن النبي ﷺ أستاذ الإنسانية كلها؛ واجبه أن يكون فضيلة حية في كل حياة، وأن يكون عزاء في كل فقر، وأن يكون تهذيبا في كل غنى، ومن ثم فهو في شخصه وسيرته القانون الأدبي للجميع.
وكأنه ﷺ يريد ليعلم الأمة بهذه القصة أن الجماعات لا تصلح بالقوانين والشرائع والأمر والنهي، ولكن بعمل عظمائها، في الأمر والنهي؛ وأن الحاكم على الناس لا ينبغي أن يحكم إلا إذا كان في نفسه وطبيعته يحس فتنة الدنيا إحساس المتسلط لا الخاضع، ليكون أول استقلاله استقلال داخله.
فليس ذلك فقرًا ولا زهدا كما ترى في ظاهر القصة، ولكنها جرأة النفس العظمى في تقرير حقائقها العملية.
وتنتهي القصة في عبارة القرآن الكريم بتسمية زوجاته ﷺ: "أمهات المؤمنين" بعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ وعلماء التفسير يقولون: إن الله تعالى كافأهن بهذه التسمية؛ وليس ذلك بشيء ولا فيه كبير معنى، وإنما تشعر هذه التسمية بمعنى دقيق هو آية من آيات الإعجاز؛ فإن الزوجة الكاملة لا تكمل في الحياة ولا تكمل الحياة بها إلا إذا كان وصفها مع رجلها كوصف الأم، ترى ابنها بالقلب ومعانيه، لا بالغريزة وحظوظها؛ فكل حياة حينئذ ممكنة السعادة لهذه الزوجة، وكل شقاء محتمل بصبر، وكل جهد فيه لذته الطبيعية، إذ يقوم البيت على الحب الذي هو الحب الخالص لا المنفعة، وتكون زينة الحياة وجود الحي نفسه لا وجود المادة، وتبنى النفس على الوفاء الطبيعي كوفاء الأم، وذلك خلق لا يعسر عليه في سبيل حقيقته أن يتغلب على الدنيا وزينتها.
وآخر ما نستخرج من القصة في درس النبوة هذه الحكمة:
بحسب المؤمن إذا دخل داره أن يجد حقيقة نفسه الطيبة، وإن لم يجد حقيقة كسرى ولا قيصر.

2 / 55