يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .
هل فيكم من فطن إلى أن هذه الآية تنطبق على أحوال هذا العصر كل الانطباق؟ فنحن اليوم في الأقطار الإسلامية منقسمون إلى أحزاب، وكل حزب بما لديهم فرحون، وكل جماعة تظن أن الخير وقف عليها، وأن من خرج على حدودها فهو من الضالين.
وهذا الظن السيء هو الذي عاد على قلوبنا بالخراب، فقلوبنا أيها السادة أصبحت كأوكار الحيات والثعابين، أصبحت قلوبنا موبوءة وكأنها البقعة الخربة التي تعيش فيها الهوام والجراثيم ، ولو كنا نعقل لتأدبنا بأدب القرآن وعرفنا أن قلوبنا في حاجة إلى مصابيح من حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس.
واسمحوا لي مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة بأن أتهم نفسي فأنا الشقي وأنتم السعداء، اسمحوا لي أن أعترف بأني ضيعت على نفسي خيرا كثيرا حين فاتني أن أتأدب بأدب القرآن، فقد حملني الغرور على الظن بأن الخير لم يعرف قلبا غير قلبي، ثم تبينت بعد فوات الوقت أن الله لم يخلق العالم عبثا، وأنه لم يمنح النور والهواء والحياة إلا لمن يراهم أهلا لكل أولئك الطيبات.
وأبشركم بأني بدأت أهتدي، وأصبحت أنظر إلى من يسيئون الظن بالناس نظر العطف، فهؤلاء يعانون من أمراض القلوب بعض ما كنت أعاني، هؤلاء أطفال في عالم الأخلاق، فلننظرهم قليلا فسوف تنضجهم الأيام والليالي، هؤلاء مساكين يتوهمون أن الدنيا يقوم بأعبائها رجل واحد، أو حزب واحد، فلننظرهم قليلا فسوف تعلمهم الحوادث أن العالم لا يعيش إلا إذا اجتمع فيه الفاضل والمفضول، والراجح والمرجوح، والرئيس والمرءوس.
وهذا الكلام الذي أقول به هو في جوهره أصغر من الحكمة القرآنية، فالقرآن يوصينا بالحذر المطلق، وهو لا يسمح لفرد ولا قوم أن يظنوا بأنهم أفضل الناس على الإطلاق، ويقول:
يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن .
وقد علمتني الحوادث بأن الثقة لا تتم بين رجلين إلا إذا اعتقد كل واحد منهما بأنه أقل من أخيه في أدب النفس، وعلمتني الحوادث وعلمت غيري أن الرجل يصبح أجهل الناس إذا اطمأن إلى أنه صار من العلماء، والقرآن يوصينا بأن نحترس فلا نزعم التفرد بالكمال، فإن هذا الزعم باب إلى الخراب، خراب العقول والقلوب.
وأحب أن أذكر نفسي وأذكركم إن شئتم بهذه الوصية:
ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب .
نامعلوم صفحہ