واستحضر ابن مسعود في أكبر الظن حياته تلك حين كان راعيا لغنيمات عقبة بن أبي معيط، قد أدبرت عنه الدنيا بسعيها ودعتها وثرائها ونعيمها، وذكر أن النبي
صلى الله عليه وسلم
قد رضي عن أمانته حين أبى أن يسقيه ويسقي صاحبه من لبن غنم ابن أبي معيط، وذكر أن النبي ائتمنه على سره وضمه إليه وجعله من خاصته، وذكر أن النبي قال فيه ذات يوم: «إن ساقه لأثقل في الميزان يوم القيامة من أحد.» فلم يزده هذا إلا إيمانا وتثبيتا وحبا للأمانة واستمساكا بها، ووفاء لخليله ونصحا لأمته.
وقد أقام عمار ما شاء الله أن يقيم أميرا على الكوفة، فكان يسيرا سمحا لم يتغير من أمره شيء: صمت كثير، وكلام قليل، واختلاط بالناس كأنه رجل من عامتهم، وإقامة للعدل، وحكم بالقسط، ونصح في الدين لا تكلف فيه ولا تزيد. سئل ذات يوم في بعض ما يشكل من أمور الناس، فقال: أكان هذا بعد؟! قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون، فإذا كان تجشمناها
266
لكم.
وكان يخرج في حاجات بيته وأهله كما يخرج غيره من عامة الناس.
تحدث من رآه وهو أمير الكوفة يشتري قتا بدرهم، ثم يستزيد البائع حبلا فيأبى عليه البائع، فيجاذبه عمار حبله وينازعه حتى يأخذ نصفه، ثم يحمل قته على ظهره ويمضي به إلى داره وهو الأمير، لا ينكر من ذلك شيئا، ولا يرى أن شيئا من ذلك يغض من قدره أو يحط من مكانته، ولا ينكر الناس من ذلك شيئا ولا يرون أنه يخسه
267
عن المنزلة التي تنبغي للأمير، وكان عمار لا يغضب لنفسه مهما يؤذ، فإذا تعرض أحد لحق الله أو لحق الناس غضب عمار حتى يأخذ بالحق ويرد الأمر إلى نصابه. عرف أن رجلا وشى به إلى عمر، فلم يزد على أن قال: اللهم إن كان قد كذب علي فابسط له في الدنيا واجعله موطأ العقب.
نامعلوم صفحہ