٢٨
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
صلاة التطوع - مفهوم، وفضائل، وأقسام، وأنواع، وآداب في ضوء الكتاب والسنة

نامعلوم صفحہ

المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليهِ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في «صلاة التطوع» بيّنت فيها: مفهوم صلاة التطوع، وفضلها، وأقسامها، وأنواعها، وكل ما يحتاجه المسلم من فقهٍ في هذا المبحث، بالأدلة من الكتاب والسنة.
وقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز نوَّر الله ضريحه، ورفع درجاته في الفردوس الأعلى.

1 / 3

والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولًا، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر قبل مغرب يوم السبت الموافق٢٠/ ١١/١٤٢٠هـ

1 / 4

صلاة التطوع
أولًا: مفهوم التطوع: التطوع: النافلة وكل متنفِّل خير: متطوع (١).
قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ (٢).
والتطوع: ما تبرع به المسلم من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه (٣).
ثانيًا: فضل التطوع:
صلاة التطوع لها فضائل كثيرة عظيمة، منها ما يلي:
١ - تُكمِّلُ الفرائضَ وتجبر نقصها؛ لحديث تميم الداري ﵁ مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كُتبت له تامة، وإن لم يكن أتمَّها قال الله ﷿ لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوُّع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك» (٤).

(١) القاموس المحيط، للفيروزآبادي، باب العين، فصل الطاء، ص٩٦٢.
(٢) سورة البقرة، الآية:١٨٤.
(٣) لسان العرب، لابن منظور، باب العين، فصل الطاء، ٨/ ٢٤٣.
(٤) أبو داود، برقم ٨٦٤، ومن حديث أبي هريرة، برقم ٨٦٦، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، برقم١٤٢٥، وأحمد، ٤/ ٦٥، ١٠٣، و٥/ ٣٧٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٣٥٣، وتقدم تخريجه.

1 / 5

٢ - التطوع تُرفع به الدرجات وتُحطُّ الخطايا؛ لحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال له: «عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة» (١).
٣ - كثرة النوافل من أعظم أسباب دخول الجنة بمرافقة النبي ﷺ؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال «أوَ غيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٢).
٤ - صلاة التطوع أفضل أعمال نوافل البدن بعد الجهاد، والعلم: تعلُّمه، وتعليمه (٣)؛لحديث ثوبان ﵁ قال:

(١) مسلم، برقم٤٨٨، وتقدم تخريجه.
(٢) مسلم، برقم٤٨٩، وتقدم تخريجه.
(٣) قيل: أفضل ما يتطوع به: العلم وهو تفضيل الإمام مالك وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وقيل: الجهاد، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد. وقيل: الصلاة، وهو تفضيل الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى.
والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فقد يكون كل واحد أفضل في حال حسب المصلحة والحاجة، ولا شك أن العلم نوع من أنواع الجهاد؛ لأن مبنى الشرع كله على العلم، والجهاد مبناه على العلم؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته». قيل له بأي شيء تصح النية؟ قال: «ينوي يتواضع فيه ينفي عنه الجهل»، والمراد نفل العلم لا فرضه، فلابد أن يكون قصده بتعلم العلم وتعليمه: وجه الله والدار الآخرة، وينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، وينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة، ويعمل بالعلم. انظر الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ١٠٠ - ١٠١، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٩٦، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ١٧٩ - ١٨٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٦ - ٧، وكتاب العلم له، ص٢٥ - ٣٢، ومعالم في طريق طلب العلم، للسدحان، ص١٣ - ١٥.

1 / 6

قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (١).
٥ - صلاة التطوع في البيوت تجلب البركة؛ لحديث جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ: «إذا قضى أحدكم الصلاة في

(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب المحافظة على الوضوء، برقم٢٧٧، وأخرجه الدارمي، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، ١/ ١٦٨، والإمام أحمد في المسند، ٥/ ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢، وله شواهد عند ابن ماجه وغيره من حديث عبد الله بن عمر ﵄، برقم٢٧٨، ومن حديث أبي أمامة ﵁ برقم٢٧٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٥ - ١٣٨.

1 / 7

مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته؛ فإن الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيرًا» (١)؛ ولحديث زيد بن ثابت ﵁ يرفعه، وفيه: «فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاةُ المرءِ في بيته إلا المكتوبة» (٢). ولفظ مسلم: «فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٣)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٤). قال الإمام النووي ﵀: «وإنما حثَّ على النافلة في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات؛ وليتبرَّك البيتُ بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان» (٥).

(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم٧٧٨.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل، برقم٧٣١،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، برقم٧٨١.
(٣) مسلم، برقم ٧٨١، وتقدم في الذي قبله.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر، برقم ٤٣٢، ١١٨٧،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم٧٧٧.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣١٤، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ٥٢٩.

1 / 8

٦ - التطوّعُ يجلبُ محبة الله لعبده؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى قال: من عادَى لي وليًَّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» (١).
ظاهره أن محبة الله للعبد تقع بملازمة العبد للفرائض؛ ودوامه والتزامه التقرب بالنوافل بعد الفرائض من صلاة، وصيام، وزكاةٍ، وحج، وغير ذلك (٢).
٧ - كمال التطوع يزيد في شكر العبد لله ﷿ -؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر

(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم٦٥٠٢.
(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، للحافظ ابن حجر، ١١/ ٣٤٣.

1 / 9

قدماه، فقالت: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١). وعن المغيرة ﵁ قال: قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه فقيل له: غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢).
ثالثًا: جواز صلاة التطوع جالسًا:
تصح صلاة التطوع جالسًا مع القدرة على القيام، قال الإمام النووي ﵀: «وهو إجماع العلماء» (٣).
كما يصح أداء بعض التطوع من قيام وبعضه من قعود (٤)، وأما صلاة الفريضة فالقيام فيها ركن، من تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة (٥).
وقد ثبتت الأحاديث بذلك، ففي حديث عائشة رضي الله

(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٨٣٧،ومسلم، برقم٢٨٢٠،ويأتي تخريجه في قيام الليل.
(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٨٣٦،ومسلم، برقم ٢٨١٩،ويأتي تخريجه في قيام الليل.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٥٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٦٧.
(٤) انظر: شرح النووي، ٦/ ٢٥٦.
(٥) شرح النووي، ٦/ ٢٥٨.

1 / 10

عنها في صلاة النبي ﷺ بالليل، قالت: «... كان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد ...» (١).
وعنها ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إذا كَبِر قرأ جالسًا حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع» (٢).
وعن حفصة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحته قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدًا، وكان يقرأ بالسورة فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطول منها» (٣).

(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا، وقاعدًا، وفعل بعض الركعات قائمًا وبعضها قاعدًا، برقم ٧٣٠.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب إذا صلى قاعدًا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي، برقم١١١٨، ١١١٩، وكتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان، برقم١١٤٨.
(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، برقم٧٣٣.

1 / 11