قال أبي (١): لمّا حبسني المهديّ في بئر، وبنى عليّ قبّة، فمكثت فيها خمس عشرة (٢) سنة حتّى مضى صدر من خلافة الرّشيد، وكان يدلّى لي في كلّ يوم رغيف وكوز ماء، وأوذن بأوقات الصّلاة، فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة (٣) حجّة أتاني آت في منامي فقال:
حنا على يوسف ربّ فأخرجه ... من قعر بئر وجبّ حوله غمم
قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتى الفرج. قال: فمكثت حولا لا أرى شيئا، فلمّا كان في رأس الثاني أتاني ذلك الآتي فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر (٤)
ثم أقمت حولا لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه الفرج القريب
فلمّا أصبحت نوديت، فظننت أنّي أوذن للصّلاة، ودلّي لي حبل، فقيل: شدّ به وسطك. ففعلت ما قالوا، وأخرجوني من البئر، فلمّا تأمّلت
(١) يعقوب بن داود بن عمر السلمي، من أكابر الوزراء تقرّب من المهدي، وعلت منزلته عنده حتى صدر مرسوم إلى الدواوين يقول: إن أمير المؤمنين المهدي قد آخى يعقوب بن داود. واستوزره، فغلب على الأمور كلها. كان ذا صلة بالعلويين مما أدى إلى سخط المهدي عليه فعزله وأمر بحبسه في المطبق وصادر أمواله، وقد ردّ عليه الرشيد ماله، وخيّره في الإقامة حيث يريد، فاختار مكة، وأقام بها إلى أن مات، وفيه قال بشار:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
(٢) في الأصل خمسة عشر.
(٣) في الأصل ثلاثة عشر.
(٤) تقدم البيت في الخبر (٣٤٦) صفحة ١٣٥.
(٥) في الأصل: فيأمن خائفا. ورواية الفرج بعد الشدة: ويأتي أهله النائي. والبيتان لهدبة بن خشرم ديوانه صفحة ٥٤.
1 / 139
[تمهيد]
[مقدمة]
الفصل الأول في الشكر واستدامته النعم وصرفه المحن والنقم
الفصل الثالث في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب
الفصل الرابع في السجن والتعويق ومن خرج إلى سعة من ضيق
الفصل الخامس في نفاق الأصحاب والإخوان وتغيرهم مع تغير الزمان
الفصل السادس في القناعة والياس مما بأيدي الناس
الفصل السابع في مكارم الأخلاق والكرم ومحاسن الأخلاق والشيم
الفصل الثامن في التقوى والأمانة وقمع الهوى والديانة
الفصل التاسع في ذم الدنيا والزهادة فيها وتقلب أحوالها بأهاليها وما قيل من تنبيه ووعظ