الوقت أنفاس لا تعود
الوقت أنفاس لا تعود
ناشر
دار القاسم
علاقے
•سعودی عرب
سلطنتیں اور عہد
آل سعود (نجد، حجاز، جدید سعودی عرب)، ۱۱۴۸- / ۱۷۳۵-
المقدمة
الحمد لله القائل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فإن رأس مال المسلم في هذه الدنيا وقت قصير .. أنفاسٌ محدودة وأيام معدودة .. فمن استثمر تلك اللحظات والساعات في الخير فطوبى له، ومن أضاعها وفرط فيها فقد خسر زمنًا لا يعود إليه أبدا.
وفي هذا العصر الذي تفشى فيه العجز وظهر فيه الميل إلى الدعة والراحة .. جدبٌ في الطاعة وقحطٌ في العبادة وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة ..
أُقدم هذا الكتاب .. ففيه ملامح عن الوقت وأهميته وكيفية المحافظة عليه وذكر بعض من أهمتهم أعمارهم فأحيوها بالطاعة وعمروها بالعبادة.
وفقنا الله إلى استثمار أوقاتنا وجعل ما في الكتاب إحياءً للقلوب وتذكيرًا بعدم التفريط واستدراكًا لما بقي من الأيام وصلى الله على نبينا محمد.
عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم
1 / 3
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
أقسم تعالى بالعصر وهو الدهر الذي هو زمن تحصيل الأرباح والأعمال الصالحة للمؤمنين وزمن الشقاء للمعرضين، ولما فيه من العبر والعجائب للناظرين (١).
وقد عرض القرآن الكريم والسنة المطهر للزمن، قيمةً وأهميةً وأوجه انتفاع وأثرًا، وأنه من عظيم نعم الله التي أنعم بها سبحانه ...
يقول الله تعالى في بيان هذه النعمة العظيمة التي هي من أصول النَّعم: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢].
ويقول جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢].
ولبيان أهمية الزمن وأثره، نجد أن المولى سبحانه يُقسم بأجزاء منه في مطالع سورٍ عديدة:
فيقسم بالفجر: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٢].
ويقسم بالليل والنهار ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل ١ - ٢].
(١) حاشية ثلاثة الأصول صـ ٧.
1 / 4
ويقسم بالضحى ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى ١ - ٢].
وقَسمُه سبحانه بأجزاء الزمن تلك كان لفتًا للأنظار نحوها، لعظيم دلالتها عليه، ولجليل ما اشتملت عليه من منافع وآثار (١).
فلا شيء أنفس من العمر، وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والنوائب إليه، ويحيل شقاءه وخسرانه عليه، فإقسام الله تعالى له دليل على شرفه، وأن الشقاء والخسران إنما لزم الإنسان لعيب فيه لا في الدهر، ولذلك قال ﷺ: " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (٢).
وعمر الإنسان القصير والذي لا يتجاوز عشرات معدودة من السنين سيُسأل عن كل لحظة فيه وعن كل وقت مر عليه وعن كل عمل قام به.
قال ﷺ "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟ ".
لن تزول قدما العبد في هذا الموقف العظيم حتى يحاسب عن مدة أجله فيما صرفه .. وعما فعل بزمانه ووقت شبابه بخاصة فإنه أكثر العطاء وأمضاه، وهو تخصيص بعد تعميم، لأن تمكن الإنسان
(١) سوانح وتأملات ١٥.
(٢) تفسير غرائب القرآن.
1 / 5
من الزمن في وقت الشباب أعظم وآكد وأثمر من طرفي العمر حيث ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة .. (١)
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: رسول الله ﷺ " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ"
قال ابن الخازن: النعمة ما يتنعم به الإنسان ويستلذه، والغبنُ أن يشتري بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المثل.
فمن صح بدنه، وتفرغ من الأشغال العائقة، ولم يسع لصلاح آخرته، فهو كالمغبون في البيع، والمراد بيان أن غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ بل يصرفونهما في غير محالهما، فيصير كل واحد منهما في حقهم وبالًا، ولو أنهم صرفوا كل واحد منهما في محله لكان خيرًا لهم، أي خير (٢).
وأكد على ذلك رسول الله ﷺ بقوله " اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك (٣) "
عمر الإنسان هو موسم الزرع في هذه الدنيا وحصاد ما زرع يكون في الآخرة .. فلا يحسن بالمسلم أن يضيع أوقاته وينفق رأس ماله فيما لا فائدة فيه.
(١) سوانح وتأملات ٧.
(٢) سوانح وتأملات ١٨.
(٣) رواه الحاكم في المستدرك.
1 / 6
ومن جَهِل قيمة الوقت الآن فسيأتي عليه حين يعرف فيه قدره ونفاسته وقيمة العمل فيه، ولكن بعد فوات الأوان، وفي هذا يذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم.
الموقف الأول: ساعة الاحتضار، حيث يستدبر الإِنسان الدنيا ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو منح مهلة من الزمن، وأُخر إلى أجل قريب ليصلح ما أفسده ويتدارك ما فات.
الموقف الثاني: في الآخرة حيث توفى كل نفس ما عملت وتُجزى بما كسبت ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، هناك يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى إلى حياة التكليف، ليبدءوا من جديد عملًا صالحًا ..
هيهات هيهات لما يطلبون فقد انتهى زمن العمل وجاء زمن الجزاء.
ونلحظ في زماننا هذا الجهل بقيمة الوقت والتفريط فيه .. هذا الزمن زمن العجز .. زمن الدعة والراحة والكسل، ماتت الهمم وخارت العزائم
تمر الساعات والأيام ولا يحُسب لها حساب
بل إن هناك من ينادي صاحبه
تعال .. لنقضي وقت الفراغ .. ! !
أخي .. هل لدى المؤمن وقت فراغ؟
1 / 7
اسمع قول الله تعالى ﴿فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
إذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض ومع شواغل الحياة ..
إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى من يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد العبادة والتجرد والتطلع والتوجه (١)
هذا مع أن المسلم باحتسابه وإخلاصه في أعمال الدنيا في عبادة، وهو في جهاد في حياته ..
ولقد أجمل جلّ وعلا ذلك كله في آيات محكمات. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾
وقال جل وعلا في آية أخرى. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾.
أخي الحبيب ..
لنعد قليلًا .. في سطور مضيئة وكلمات صادقة إلى حال من سبقنا لنرى كيف نظروا إلى هذه الأوقات .. وماذا عملوا فيها .. وكيف استفادوا منها ..
قال عبد الله بن مسعود: - ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٣.
1 / 8
تسافر بالراكب الأيام وتسير به الليالي .. في وضح النهار وفي غسق الدُجى .. آناء الليل وأطراف النهار .. رحلة متواصلة .. وسيرٌ حثيث .. حتى تحط به الركاب.
فالناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حَطٌّ عن رحالهم إلا في جنة أو نار، والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يُطلَب فيه نعيم ولذة وراحة. إنما ذلك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كلّ آن من آنات السفر غير واقفة، ولا المكَّلف واقف، وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير (١)
إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
(٢)
أن الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب فيها على العبد كيفما انقضت في مشقة أو رفاهية، وساعة مستقبلة لم تأت بعد لا يدري العبد أيعيش إليها أم لا؟ ولا يدري ما يقضي الله فيها،
(١) الفوائد لابن القيم ٢٤٥.
(٢) مكاشفة القلوب ٢٢١.
1 / 9
وساعة راهنة ينبغي أن يجاهد فيها نفسه ويراقب فيها ربه، فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة، وإن أتته الساعة الثانية استوفى حقه منها كما استوفى من الأولى. ويطول أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها، بل يكون ابن وقته كأنه في آخر أنفاسه فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدري، وإذا أمكن أن يكون آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو على تلك الحالة. وتكون جميع أحواله مقصورة على ما رواه أبو ذر ﵁ من قوله ﵇ "لا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم" (١)
أخي الحبيب ...
إن الصحة والفراغ والمال هي الأبواب الذي تلج منها الشهوات المستحكمة، ويتربع في فنائها الهوى الجامح فيأتي على صاحبه، وقد صدق من قال: من الفراغ تكون الصبوة.
وقد تميز المؤمن عن ذلك كله فهو كما قال قتادة بن خليد ... المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث خلال .. مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة من أمر دنياه لا بأس بها (٢)
فإن العاقل الموفق من أدرك حقيقة ذلك، فاغتنم عمره في علم نافع يحفظه ويحفظ الأمة من نفسها ومن عدوها، ويجعلها أمة يدها
(١) الإحياء ٤/ ٤٢٧.
(٢) صفة الصفوة ٣/ ٢٣١.
1 / 10
هي العليا وليست هي السفلى، في جهاد مبارك .. قلمًا ولسانًا وسنانًا، في أمر بمعروف ونهي عن منكر، في تربية لعقول وأفئدة وأحاسيس تنفع الناس وتمكث في الأرض لتؤتى أكُلها كل حين بإذن ربها.
إن أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أدّاه، أو مجد أثله، أو حمد حصَّله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه وظلمه.
هذا يتحسسه أشد ما يكون عند ساعة احتضاره، عندما يراه قد أودى به إلى الخسران المبين، فيتمنى على الله أن يؤخره حتى يُصلح ما أفسده، ويتدارك ما فات، وأنى له أن يُمْهلَ وقد تحتم الأجل ونزل الموت في ساحته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)
ولهذا حرص الموفقون على الاستفادة من كل دقيقه وثانية بالعمل الصالح وعدوا ذلك مغنما .. وعلموا أن ضياعها بدون فائدة
(١) سوانح وتأملات ٢٢.
1 / 11
مغرما.
قال عمر بن ذر .. قرأت كتاب سعيد بن جبير .. إن كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة (١)
وهذا المغنم إنما هو حصيلة أعمال صالحة قُدمت .. صلاةٌ وصيام وتسبيح وغيرها.
فالأوقات والأزمنة عمرٌ قصير وأجل محدود كما قال عنها طيفور البطامي .. إن الليل والنهار رأس مال المؤمن، ربحها الجنة، وخسرانها النار (٢)
فإن السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها. فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته شجرة طيبة، ومن كانت أنفاسه في معصية فثمرته حنظل (٣)
ومن جهلنا بقيمة الوقت .. نفرح بمغيب شمس كل يوم ونحن لا ندرك أن هذا نهاية يومٍ من أعمارنا لن يعود أبدًا .. صحائف طويت وأعمالٌ أحصيت وأنفاسٌ توقفت.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يُدني من الأجل (٤)
قال الحسن .. من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله
(١) الإحياء ٤/ ٢٧٦.
(٢) الزهد للبيهقي ٢٩٧.
(٣) الفوائد لابن القيم ٢١٤.
(٤) صفة الصفوة ٣/ ٣٩٠.
1 / 12