انطلق بنا
انطلق بنا
ناشر
دار القاسم
علاقے
•سعودی عرب
سلطنتیں اور عہد
آل سعود (نجد، حجاز، جدید سعودی عرب)، ۱۱۴۸- / ۱۷۳۵-
مدخل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
أخي المسلم:
انطلق بنا نقلب كتب الحديث والتاريخ والسير والتراجم، انطلق بنا نعود قرونا مضت لنرى تاريخًا مضيئًا وأفعالًا مجيدة، خرجت من نفوس مليئة بالصدق والإيمان.
انطلق بنا نجدد إيماننا، ونحيي هممنا، ونقوي عزائمنا.
إنها وقفات سريعة ونماذج حية اخترتها بعناية وهي غيض من فيض وقليل من كثير .. فسجل الأمة تاريخ حافل مشرق مليء بالدر والآلئ يحتاج إلى من يقرأه وينظر إليه، ويتأمل فيه.
انطلق بنا نزيل وحشة الطريق، ووهن الزمن، وقلة المعين!
1 / 3
وقفة
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
[الواقعة: ١٠، ١١].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: السابقون في الدنيا إلى الخيرات، هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات.
أولئك الذين هذا وصفهم المقربون عند الله، في جنات النعيم، في أعلى عليين، في المنازل العاليات، التي لا منزلة فوقها.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
[السجدة: ٢٤].
1 / 4
الانطلاقة الأولى
أخي المسلم:
انطلق بنا نرى فجر هذه الدعوة وإشراقة الرسالة، وكم هو الجهد الذي بذل، والصبر الذي ركب .. إنها أمة الجهاد والدعوة، نبي الأمة محمد ﷺ وصحابته الكرام ﵃ يسيرون في ثلة من القوم بينهم بعير واحد يتعاقبونه، ومن كثرة المشي وعورة الطريق وقلة الظهر الذي يركب؛ نقبت الأقدام وسقطت الأظافر، لكن الموكب المبارك يسير ولا يتوقف.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي، وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق ... (١).
هذا نبي الأمة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ووجوه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا بعض مما أصابهم في غزوة واحدة لرفعة هذا الدين وإعلاء كلمته فماذا أصابك أيها المسلم وأنت تقوم بأمر الدعوة إلى الله ونشر هذا الدين؟ دعنا هذه المرة ننطلق لنرى ماذا أصابك ولا تستح مما قدمت؟
(١) متفق عليه.
1 / 5
الانطلاقة الثانية
من سنن الله ﷿ الكونية أن لا مهادنة بين الإسلام والكفر ولا التقاء، لكنها مراحل ضعف وانكسار، وإلا فالصراع بين الحق والباطل قائم والمعركة بين الإسلام والكفر دائمة، ولا يزال هذا الدين ترسل له السهام وتصوب إليه الرماح منذ فجر انطلاقته فمنها ما تقعده حينا حتى ينهض، ومنها ما تجرحه حتى يبرأ ونهوضه وبرأه مرهون بمن حمله.
وموجات الكفر العاتية لوأد هذا الدين تتخذ طرقًا متعددة وأشكالًا متفرقة، وكلها ترمي بقوس واحد لقتله وإطفاء نوره، ولقد جرب أهل الكفر جميع الوسائل والطرق وأبلوا في ذلك أكثر البلاء وأشده، ورغم ذلك اشتد عود هذا الدين ونمت دوحته.
دعنا نتأمل هذه الأيام في الحصار الاقتصادي الذي يضرب على أكثر بلاد العالم الإسلامي، فإذا دول الكفر تشد وطأتها على المسلمين حتى هلك الحرث والنسل، ومات المرضى، وتخلف نمو الصغار، وأسقطت الحوامل، وتوقفت الصناعة، وتعطلت الزراعة، وتأخر الاقتصاد، وما أشبه الليلة بالبارحة.
كتبت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب، كتابًا ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، فحوصر الرسول ﷺ في شعب عامر
1 / 6
ما يقارب الثلاث سنوات حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا، وقطعت قريش عنهم الأسواق حتى كان يسمع أصوات نسائهم وأبنائهم يتضارعون من رواء الشعب من الجوع فأكلوا من ورق الشجر وجلود الحيوانات.
وبعد هذا الحصار الشديد والحرب الضروس والمعاناة الصعبة خرج نور الإسلام من ضيق هذا الشعب الصغير حتى عم شعاب الأرض الواسعة وبعد أن أكل المسلمون ورق الشجر من قلة ذات اليد، أتت إليهم كنوز كسرى وخزائن قيصر، لكننا ننتظر من أهل الإسلام صدق العودة، وحسن الاتباع وفضيلة التأسي ..
فمتى تكون الانطلاقة؟
1 / 7
الانطلاقة الثالثة
ذكرت مجلة الأسرة في العدد رقم ٧٠ أن نساء الخليج أنفقن في عام ١٩٩٧ م مبلغا يزيد عن ٣ مليارات ريال على العطور، وأنفقن حوالي ١٥ مليون ريال لصبغات الشعر، وملكت الأزياء والموضة عقولهن وقلوبهن واستنزفت جيوبهن.
والسؤال مع الأرقام المهولة والكبيرة: ما نصيب الإسلام من ذلك؟
دعنا أخي المسلم أختي المسلمة ننطلق لنرى ابنة الصديق ﵄ وكيف هو هم الدين في قلبها وفكرها! وكيف تضحي بنطاقها وتشقه نصفين وهو من أغلى وأثمن ما تملك ﵂.
عن أسماء ﵂ قالت: "صنعت سفرة للنبي ﷺ وأبي بكر حين أراد المدينة فقلت لأبي: ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت، فسميت ذات النطاقين" (١).
ولنساء اليوم: من منكن تضحي ببعض ما تحب لتنفق في سبيل الله، وتعين على رفعة أمر الدعوة، وتيسير حاجات الفقراء والمساكين.
لا تشقي نطاقك أيتها المسلمة بل اقتصري على ما كان ضروريا وقدمي ما بقي ليوم تشخص فيه الأبصار.
(١) رواه البخاري.
1 / 8
الانطلاقة الرابعة
في زمن كثر فيه المخالفون وزاد عدد المجادلون حتى فتن كثير من الرعاع وتساهلوا بأمر الدين وساروا خلف كل ناعق فغزت قلوبهم الشبهات، وحركت جوارحهم الشهوات، فأصبح اسم الإسلام كسيرًا في نفوسهم ذليلًا في ديارهم يبحثون فيه عما يوافق هواهم ويجرون فيه خلف كل زلة، انطلق بنا لنرى صورًا مذهلة في مدينة الرسول ﷺ وكيف هو أمر التسليم والرضا والمتابعة دون تراجع ولا شك، ولا تأخر ولا تردد.
عن البراء ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوجه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال: هو يشهد أنه صلى مع النبي ﷺ وأنه قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر (١).
ما أسرع تأسيهم وامتثالهم لأمر الرسول ﷺ سمعوا خبرا عنه ﷺ فلم يترددوا في التمسك به بل لم ينتظروا رفع رءوسهم من الركوع، وبادروا بالتوجه إلى حيث توجه النبي والقدوة ﷺ إلى الكعبة المشرفة وهم ركوع.
(١) رواه البخاري.
1 / 9
وهذا موقف آخر من مواقف التسليم والرضى، لما حرمت الخمر والناس جياع والقدور تغلي.، . ماذا كان الجواب؟ .
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه جائ فقال: "أكلت الحمر" فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: "أكلت الحمر" فسكت، ثم أتاه الثالثة فقال: "أفنيت الحمر".
فأمر مناديا فنادى في الناس: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية".
فأكفئت القدور وأنها لتفور باللحم (١).
لم يفكر أولئك الأخيار المحبون المتبعون للحبيب الكريم ﷺ في التحايل أو البحث عن فرصة أو استثناء خاصة والجوع يطوي البطون والطعام قارب الاستواء والنضج، وكيف يمكن ذلك وقد كانوا يدركون تمام الإدراك أن من الأمور الأساسية في الحب أن يكون هوى المحب تابعا لأمر الحبيب.
مواقف الطاعة والانقياد لهذا الدين كثيرة متعددة تبرهن بصدق عن عمق الإيمان وصدق الإسلام في النفوس.
عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة ﵁ وكان خمرهم يومئذ الفضيح، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي: "ألا إن الخمر قد حرمت".
قال: فقال لي أبو طلحة: "اخرج فأهرقها".
(١) رواه البخاري.
1 / 10
فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة (١).
يقول الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزفة من كثرتها (٢).
وتم هذا كله من غير قيل وقال، وتردد واستفسار، فقد روى الإمام البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: "وهل بلغكم الخبر؟ ".
فقالوا: "وما ذاك؟ ".
قال: "حرمت الخمر".
قالوا: "أهرق هذه القلال يا أنس".
قال: "فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل" (٣).
يا له من استسلام مطلق، وانقياد كامل!
وإن تحاورت اليوم مع مدخن، أو مقيم على معصية سألك: أنا مدمن منذ سنوات وكيف أتركه؟ أفارق الأمر وكيف، وإن تأملت الأمر رأيت مجانبة الآية لواقع حياتهم وطريقة تفكيرهم ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
(١) رواه البخاري.
(٢) فتح الباري (١٠/ ٣٩).
(٣) رواه البخاري.
1 / 11
والبعض اليوم إذا أخذت بمجامع عقله وقلبه وقلت له: إن الشاشة وما يعرض فيها حرام؟ قال: نعم لكن ما البديل؟
عجبا لحفيد أولئك أين الطاعة والاستسلام؟ وهل يشترط بديل لتطيع وتبتعد عن الحرام؟
للنطلق إلى قلوبنا فنصلحها، وأنفسنا فنزكيها، وعندها نعرف لذة الطاعة ونعيم القبول، والرضا بأمر الله ﷿ وحكمه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].
1 / 12