تحفہ الاسماع والابصار
تحفة الأسماع والأبصار
الثاني: ما يرى من بعض العمال أنهم لا يتوقفون على الرأي المستحسن من الأدب والفرق ولا يأخذون قدرا يكون برأي صاحب الرأي، فيقتفون آثاره، ويكلون مثل هذه الأمور إليه لأنها لولا ما وضعت له من المقاصد الحسنة، والمرادات المستحسنة، لخرجت عن ظاهر الشرع نصا وقياسا، وما كان بهذه الصفة سبيل الظلم الخالي عن الوسائل، وهذه الحالة قد تمكن الأئمة التنبه فيها لعمل أهل الولايات، وقصرهم على المستحسن من المرادات، إلا أن يتولد من محاولة ذلك مفسدة أعظم كان تركه من باب دفع مفسدة بأخف، فإن عرف ممن ولاه أنه من أهل الدين والتقوى، وحصل منه شيء لم يبلغ مسامعه فليس من تكليفه إلا بعد بلوغه إليه وإن كان التجويز عنده حاصلا لهذا وأمثاله، كما يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يبيت ساهرا، يرفع الشكوى إلى الله تعالى، والاعتذار إليه ممن يظلم في ولايته بغير علمه خشية أن يكون سببا في ظلمه، فإن الأرض لا تخلو من الصالح والطالح، فأما الولاة الصالحون الذين همهم معاونة أهل الحق ومناصرتهم ومعاضدتهم على إقامة كلمة الله وإظهار حكم الله لا ينظرون إلى طمع يلوح لهم إعلامه، ولا هوى تطرقهم أوهامه، بل يحرصون على إقامة الشرع لوجه الله ويطلبون بذلك ما عند الله ويأخذون كل شيء من وجهه، وما أشكل تحروا فيه أو رفعوه إلى من أمره إليه أو استرشدوا فيه أهل الورع والتقوى وكانوا أيضا مما يأتون منه على وجل وخوف فأولئك هم صفوة الله من خلقه الذين ثبت الله بهم الحجة، وتهتدى بهم واضح المحجة، المراقبون لقول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} الآية. فأولئك هم الذين وعدوا بالثواب الجزيل، على عدل ساعة وهم الذين يكون لعمل أحدهم ثواب سبعين كلهم مجتهد، وهم الطايفة الذين لا يزالون على الحق الصحيح، ولا شك أن من أهل الخير بقايا، وفي الزوايا خبايا، بمصداق الحديث النبوي لا يعرفون إلا بحسن السيرة، وصلاح السريرة، لا سيما أهل بيت الشرف النبوي والمقام العظيم المصطفوي، فإنهم أهل[147/أ] الفضايل، ومحل حسن المقاصد والوسايل، لا زال منصبهم الشريف بالحق مقرونا، وعلى أهل الأرض ميمونا.
نعم! والأئمة بعد هذا كله مسئولون عن المستطاع من دفع ما أمكن دفعه، ورفع ما يستحق رفعه وبذل الأموال التي تحت أيديهم على حسب ما تقتضيه أنظارهم الثاقبة، وآرائهم الصايبة، ولكن مع هذا أكثر اعتمادهم مصارعة أهل التأليف، وتقديم أهل الدين الضعيف، وكثيرا ما يتركون ذوي الاستحقاق لضرب من الصلاح وكولا لهم إلى دينهم وإلى معرفتهم بحال الأئمة، ومن لا يعرف هذه المحن، ويتفطن لأحوال أهل هذا الزمن، ربما يظن أن هذا الحرمان للضعفاء شح من الأئمة بالمال دونهم، وإعراض عنهم وكلا والله إنهم ليعلمون ذلك ولكن نظروا إلى قوله: : ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار )) .
صفحہ 606