ثم وجه إلى كبير ضباطه بضع كلمات، وتبدل مسلكه ومحياه في الحال من الاسترخاء والوقار - وهما في الشرق من صفات الحكماء الذين تعودوا التأمل أكثر مما تعودوا الحركة - إلى الظهور بالهمة والكبرياء - وهما من صفات الجندي الباسل يستفز نشاطه دنو الخطر يلمحه من بعيد ويستخف به.
ولكن هذا الخطر المقبل كان له في عيني السير كنث وجه آخر، فلما أن قال له «أدنبك»: «عليك أن تتمهل وتلزم أبدا جواري.» أجابه بالنفي مطمئنا رابط الجأش.
وقال: «هنالك أرى صحابي بالسلاح مدججين ، هنالك أرى رجالا أخذت على نفسي أمامهم أن أقاتل أو أموت - وعلى رايتهم تتألق علامة خلاصنا المبارك. إني لا أستطيع أن أفر من الصليب إلى صحبة الهلال.»
فقال الحكيم: «أحمق بك من جاهل! والله لو استطاعوا إخفاء الحنث في شروط الهدنة، لكان أول ما يقطعون به من عمل هو أن ينزلوا بك الموت.»
فأجاب السير كنث قائلا: «علي أن آخذ لنفسي حذرها من ذلك، ولكني إن استطعت أن أنزع عني قيود الكفار فلن أتكبل بها لحظة واحدة بعد ذلك.»
فقال الحكيم: «إذن فأنا آمرك أن تتبعني.»
فأجابه السير كنث غاضبا وقال: «تأمرني! والله لولا جميل صنعت بي، ولولا أنك أردت بي خيرا، ولولا أني مدين لثقتك بحرية هاتين اليدين اللتين كان بوسعك أن تكبلهما بالأصفاد، لولا ذلك لأريتك أن إرغامي - وإن كنت من السلاح أعزل - ليس بالأمر الهين أو اليسير.»
فأجاب الطبيب العربي وقال: «حسبك هذا وكفى، إننا نضيع الوقت وهو نفيس.»
وما إن أتم حديثه حتى لوح بساعده في الفضاء، وصاح صياحا عاليا أجش، نذيرا لمن كان في حاشيته، فتفرقوا على الفور جميعا على صدر البادية، وكأنهم عقد انقطع حبله، وانتثرت حباته كل منها في ناحية. ولم يكن لدى السير كنث من الوقت ما يمكنه من أن يرقب ما جرى بعد ذلك، لأن الحكيم في تلك اللحظة عينها أمسك بزمام فرسه وأطلق لجواده العنان، وانطلقا معا كالبرق الخاطف، وبسرعة كادت أن تسلب الفارس الاسكتلندي القدرة على الشهيق، ولئن أراد أن يوقف قائده عن المسير لعجز كل العجز؛ والسير كنث مدرب على الفروسية منذ نعومة أظفاره، ولكن أخف ما امتطى من جياد - رغم ذلك - لم يكن إلا كالسلحفاة إذا قيس بخيول الحكيم العربي. وأثار الجوادان وراءهما النقع، وكأنهما ينهبان الفلاة نهبا، ويطويان الفراسخ في لحظات، ومع ذلك فإن قوتيهما لم تفترا، وبقيت أنفاسهما خالصة كما كانت حينما بدآ هذا العدو العجيب. والحركة كلها بيسرها وخفتها كانت بالتحليق في الهواء أشبه منها بالركض على الأديم، ولم يصحبها شعور أليم اللهم إلا ذلك الرعب الذي يحس به المرء بطبيعته وهو يتحرك بسرعة فائقة، وعسر التنفس الذي ينشأ عن شق الفضاء بسرعة الريح.
ومضى ما ينيف على الساعة بعد هذا الركض الرائع، الذي يقصر مجهود البشرية بأسرها عن اللحاق به، ثم أرخى الحكيم من سيره وأبطأ من خطى الخيل، حتى بات عدوها محتملا، وشرع يحدث الاسكتلندي حديثا طويلا عن جدارة خيوله في صوت هادئ مطمئن، كأنه إنما كان يمشي على قدميه في الساعة التي انقضت، والاسكتلندي مقطوع الأنفاس، أعشى البصر، قليل السمع، وجسمه كله في دوار شديد من سرعة هذا العدو الشديد، فلم يكد يفهم الكلمات التي كانت تتدفق من صاحبه تدفقا.
نامعلوم صفحہ