تبیان
التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي
تفسير التبيان ج2
قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين
آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب(212)
آية واحدة.
المعنى: إنما ترك التأنيث في قوله زين والفعل فيها مسند إلى الحياة وهي المرتفعة به، لانها لم يسم فاعلها لشيئين: أحدهما - أن تأنيث الحياة ليس بحقيقى، وما لا يكون تأنيثه حقيقيا، جاز تذكيره، كقوله تعالى: " فمن جاء ه موعظة من ربه "(1) وقوله: " قد جاء كم بصائر "(2) " وأخذ الذين ظلموا الصيحة "(3).
والثاني - أنه لما فصل بين الفعل والفاعل بغيره، جاز ترك التأنيث، وقد ورد ذلك في التأنيث الحقيقي، وهو قولهم حضر القاضي اليوم إمرأة، فاذا جاز ذلك في التأنيث الحقيقي، ففيما ليس بحقيقي، أجوز، قد قيل: إنما ترك التأنيث في هذا الموضع، لانه قصد بها المصادر، فترك لذلك التأنيث.
وقيل في معنى تزيين الحياة الدنيا قولان: أحدها - قال الحسن، والجبائي، وغيرهما - أن المزين لهم إبليس وجنوده، لانهم الذين يغوون، ويقوون دواعيه، ويحسنون فعل القبيح، والاخلال بالواجب ويسوفون لهم التوبة، فأما الله تعالى، فلا يجوز أن يكون المزين له، لانه زهد فيها، فأعلم أنها متاع الغرور، وتوعد على ارتكاب القبائح فيها.
والقول الثاني - إن الله تعالى خلق فيها الاشياء المعجبة، فنظر إليها الذين كفروا باكثر من مقدارها، كما قال: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
---
(1) سورة البقرة آية : 275.
(2) سورة الانعام آية: 104.
(3) سورة هود آية: 67.
صفحہ 190