تبیان
التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي
تفسير التبيان ج3
والجمع، كما قال الشاعر:
بها جيف الحسرى فأما عظامها
فبيض وأما جلدها فصليب(1)
ولم يقل: فجلودها، ولو قال: (فان طبن لكم عن شئ منه) أنفسا لمجاز، وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا.
فأما قوله: (بالاخسرين أعمالا)(2) إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به، ومالاوا عليه.
ومثل الآية: أنت حسن وجها، فالفعل للوجه، فلما نقل إلى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز.
وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا) فهنيئا مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر:
متبذلا تبدو محاسنه
يضع الهناء مواضع النقب(3)
فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب.
ومعنى (فكلوه هنيئا مريئا) أي دواء شافيا، يقال منه: هنأني الطعام ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنيني ومريني بالكسر، وهي قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فاذا أفردوا قالوا: قد أمراني هذا الطعام، ولايقولون: أهنانى، والمصدر منه هنا، مرا، وقد مرؤ هذا الطعام مرا، ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلاناالمال إذا وهبته له، أهنؤه هنا، ومنه قولهم: انما سميت هانيا لتهنا، أي: لتعطي.
ومعنى قوله: (فان طبن لكم عن شئ منه) يعني من المهر، و" من " ههنا ليست للتبعيض وانما معناه لتبيين الجنس، كما قال (فاجتنبوا الرجس من الاوثان)(5) ولو وهبت له المهر كله لجاز، وكان حلالا بلاخلاف.
---
(1) قائله علقمة بن عبدة (علقمة الفحل) ديوانه: 27، وشرح المفضليات: 777، وسيبويه 1: 107 من قصيدة في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني حين أسر أخاه شأسا، فرحل اليه علقمة يطلب فكه.
وقوله: (بها حيف الحسرى) الضمير راجع إلى المطلوب في البيت السابق، وهي آثار الطريق، والصليب الودك الذي يسيل من جلودها بعد موتها.
(2) سورة الكهف: آية 104.
(3) قائله دريد بن الصمة. اللسان (نقب) والاغاني 10: 22، والشعر والشعراء 302.
والنقب - بضم النون وسكون القاف وفتحها - جمع نقبه، أول الجرب حين يبدو.
(4) سورة الحج: آية 30.
صفحہ 110