ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن أنس قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وآية الحجاب قلت: "يارسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهنّ البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب" (١). واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية [التحريم: ٥] (٢).
ودليل آخر هو ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر أعلاه ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فهذا يثبت أن مقام إبراهيم هو شيء ثابت معهود صلّى إليه
النّبيّ ﷺ بعد الطواف وصلّى إليه المسلمون كذلك منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم لحظة بلحظة دونما تخلف أو إبطاء فكان إجماعًا من جماهير الأمة بالتواتر من جموع يستحيل عقلًا تواطؤهم على خلاف الحقيقة. كل هذا يضعف الأقوال الأخرى التي ذهبت إلى أن المقام هو عموم الحرم أو خصوص عرفة أو مزدلفة أو الجمار أو هو الحج كله! ولو كان هذا صحيحا فكيف يستقيم أنه صلّى إليه وجعله بينه وبين البيت ورسول الله ﷺ إنما صلّى ركعتي الطواف داخل المسجد الحرام ولم يخرج منه وسياق حديث جابر يؤيده وهي الملاحظة التي تردّ قولًا آخر ذا صلة بموضوعنا يذهب إلى أن المقام كان ملتصقًا بالبيت وليس هذا صحيحًا؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لما قال جابر
(١) هي قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [٥٩].
(٢) الحديث مروي في صحيح البخاري برقم (٤٠٢) والآية هي قوله تعالى في سورة التحريم ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [٥].
1 / 195