تاویلات
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ ليميز الله الخبيث من الطيب } [الأنفال: 37] أي: ليميز الأرواح والقلوب الخبيثة التي تخدع النفوس تميل إلى الدنيا وزخارفها، وتتبع الهوى وتتحرى لغة الشرائع والأنبياء - عليهم السلام - من الأرواح والقلوب الطيبة التي لا تتبع الهوى، ولا تركن إلى الدنيا، ولا تنخدع بخداع النفوس وحيلها؛ بل تقبل إلى الله وطلبه في متابعة الأنبياء ومخالفة الهوى، وأيضا الطيب من الأحوال ما يبذل في طلب الله تعالى على الطالبين، والخبيث ما يلتفت إليه الغالب من غير حاجة ضرورية، فينقله الله تعالى وطلبه يكون قاطع طريقه.
{ ويجعل الخبيث بعضه على بعض } [الأنفال: 37] أي: بعض أرواح القلوب الخبيثة على بعض النفوس، { فيركمه جميعا } [الأنفال: 37] وذلك أن الله تعالى خلق الروح نورانيا علويا وخلق النفس ظلمانية سفلية ثم أشرك بينهما وجعل رأس مالهما الاستعداد الفطري القابل للترقي والكمال في القربة والمعرفة والخسارة والنقصان فيها؛ لربح كل واحدة منها على تجارة قوله تعالى:
هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم
[الصف: 10-11] ولتستعين كل واحدة منهما في الترقي من مقامه بما أودع فيهما، فمن الناس من ربح روحه ونفسه جميعا على هذه التجارة بأن آمن وجاهد بنفسه وماله في سبيل الله وطلبه وبلغ مبلغ الرجال البالغين، ومنهم من ربح روحه بأن آمن بالله ورسوله وخسرت نفسه بأن عصت الله وخالفت الشريعة، ومنهم من خسر روحه ونفسه جميعا بأن لم يؤمن بالله ورسوله وكفر بهما.
قيل: دخل على الشبلي - رحمه الله - في وقت وفاته وهو يقول: " يجوز يجوز " ، فقيل له: ما معنى قولك: " يجوز "؟
فقال: خلق الله الروح والنفس وأشرك بين الروح والنفس فعملا واتجرا سنين كثيرة فحوسبا؛ فإذا هما قد خسرا وليس معهما ربح فقد عزما على الافتراق، وأنا أقول: شركة لا ربح فيها يجوز أن يقع بين الشريكين افتراق.
ثم أخبر عن مغفرته مع أهل رحمته بقوله تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [الأنفال: 38] إلى قوله: { ونعم النصير } [الأنفال: 40] الإشارة: { قل للذين كفروا } من الأرواح والقلوب بأن ستروا النور الروحاني بظلمات الصفات النفسانية الحيوانية السبعية في اتباع الهوى واتباع الدين بالدنيا، { إن ينتهوا } عن اتباع الهوى ومطاوعة النفس ومخالفة الشرع، { يغفر لهم ما قد سلف } أي: تستر تلك الظلمات بنور المغفرة وهو النور الرباني الذي يمحو بالظلمات الإنسانية، { وإن يعودوا } [الأنفال: 38] لمتابعة الهوى ومخالفة الشرع، { فقد مضت سنت الأولين } [الأنفال: 38] من الأنبياء والأولياء في أن اتبعوا الهوى يضلهم عن سبيل المولى، كما قال تعالى لداود عليه السلام:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26].
{ وقاتلوهم } [الأنفال: 39] يعني: قاتلوا كفار النفوس والهوى بسيف الصدق تحت راية الشريعة في جهاد الطريقة، { حتى لا تكون } [الأنفال: 39] النفس والهوى عند الاستيلاء وغلبات صفاتها، { فتنة } [الأنفال: 39] آفة مانعة لكم عن الوصول إلى عالم الحقيقة، { ويكون الدين كله لله } [الأنفال: 39] ببذل الوجود وفقد الوجود لنيل الجود ، { فإن انتهوا } [الأنفال: 39] النفوس عن معاملاتها، وتبدلت عن أوصافها، وطاوعت القلوب والأرواح، وصارت مأمورة مطمئنة تحت الأحكام، { فإن الله بما يعملون } [الأنفال: 39] في عبوديته وصدق طلبه، { بصير } [الأنفال: 39] لا يخفى عليه نقير ولا قطمير فيجازيهم على قدر مساعيهم.
نامعلوم صفحہ