تاویلات
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: 31]، والإسراف نوعان: إفراط، وتفريط، فالإفراط: ما يكون فوق الحاجة الضرورية، أو على وفق الطبع والشهوة، أو على الغفلة، أو على ترك الأدب بالشره، أو على غير الذكر، والتفريط: أن ينقص من قدر الحاجة الضرورية ويقصر في حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية، أو يبالغ في أداء حق الربوبية بإهلاك نفسه فيضيع حقها، أو فيضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه، أو يطبع حقوق القلب والروح والسر الذي هو مستعد لحصولها بحظوظ النفس؛ فالمعنى: لا تسرفوا لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم بحظوظكم.
[7.32-33]
قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]، يشير إلى أن من يمنعكم من كمالات أخرجها الله من غيب الغيب لخواص عباده من الأنبياء والأولياء، ومن حرم عليكم نيل هذه الكرامات والمقامات، فمن تصدى لطلبها وسعي لها سعيها في مباحة له من غير تأخير ولا قصور، وإضافة الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه أخرجها من خزائن ألطافه وحقائق أعطافه، فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها وبالطوالع وأثمارها، وزين الظواهر بآثار التوفيق، وزين البواطن بأنوار التحقيق، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين الباطن بأنوار الشهود، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين البواطن بأنوار الوجود والطيبات من الرزق، إن أرزاق النفوس بحكم أفضاله، وأرزاق القلوب بموجب إقباله، والطيبات من الرزق على الحقيقة ما لم يكن مشوبا بحقوق النفس وحظوظها، ويكون خالصا من مواهب الحق وحقوقه.
{ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } [الأعراف: 32]؛ أي: هذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشوائب الآفات النفسانية، وكدورات الصفات الحيوانية، { خالصة يوم القيامة } [الأعراف: 32] من هذه الآفات والكدور كما قال تعالى:
ونزعنا ما في صدورهم من غل
[الأعراف: 43]، { كذلك نفصل الآيات } [الأعراف: 32] أي: نبين الباطل ونظهر بشواهد الحق، { لقوم يعلمون } [الأعراف: 32] الحق والباطل ونبين لهم الحق.
ثم أخبر عن ما حرم بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش } [الأعراف: 33]، الإشارة فيها: أن أعمال الظواهر وأعمال البواطن معتبرة في طلب الحق تعالى والسلوك إليه بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، والفواحش: ما يقطع العبد عن طريق الرب ويمنعه عن السلوك إليه فيه، ففاحشة العوام: ما ظهر منها ارتكاب المناهي وما بطن خطورها بالبال، وفاحشة الخواص: ما ظهر منها لأمة كل زمان مستحقة لدخول النار.
ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار
[الأعراف: 38]، وإنما قدم الجن على الإنس؛ لتقدمهم عليهم في الخلقة، وذلك أن الله تعالى لما خلق الجن جعل منه حكمة؛ فمنهم: مؤمن، ومنهم: كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم على أهل الإيمان وغلبوهم بالحرب والقتال حتى استأصلوهم بعث الله إليهم جندا من الملائكة، قيل: كان رئيسهم إبليس، فسلطهم الله عليهم حتى أهلكوا جميعهم، ثم خلق الله تعالى آدم عليه السلام بعدهم فخلق منه ذريته فكان منهم كافر: كقابيل، ومنهم مؤمن: كهابيل إلى أن كان في كل زمان منهم أمة كافرة مستحقة لدخول النار، وأمة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن وإلى انقراض العالم؛ لقوله تعالى:
هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن
نامعلوم صفحہ