تاویلات
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
فأما في بدأ وجودهم فالأرواح لما حصلت في عالم الأرواح بإشارة كن، تابعين لروحك احتاجت إلى أن يكون لها بشيرا ونذيرا؛ لتعلقها بالأجسام لأنها علوية بالطبع لطيفة روحانية، والأجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية لا يتعلق بها، ولا يميل إليها لفساده بينهما، فيحتاج إلى بشير يبشرها بحصول كمال لها عند الأثقال بها لترغب إليها وتحتاج إلى نذير ينذرها بأنها إن لم تتعلق بالأجسام يحرم عن كمالها، وتبقى ناقصة غير كاملة مثل حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة، وإن تزرع وتربي بالماء تخرج الشجرة من القول إلى الفعل إلى أن تبلغ كمالها بشجرة مثمرة، فالروح بمثابة البذر، والقالب بمثابة الأرض، والشخص الإنساني بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها الشريفة بمثابة الماء لتربيتها والبشير والنذير بمثابة المربي، فيعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه إليه واتصافه بصفة يحتاج إلى بشير بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى، ثم يبشره بقرب الحق تعالى ويشوقه إلى جماله ويعده بوصاله وبنذير ينذره أولا بنار جهنم يوعده بالبعد عن الحق، ثم بالقطيعة والهجران.
وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين، وأنهم وإن كانوا ثمرة هذه الشجرة أيضا ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعية كماله لا من بذر واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ونذير فرعا لأصل بشريته ونذيريته، والذي يدل على هذا التحقيق قوله تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107] دخلت شجرة الموجودات كلها تحت الخطاب وبقوله:
ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[الروم: 6] يشير إلى أن أكثر الناس الذين هم أجزاء وجود الشجرة، وما وصلوا إلى رتبة الثمرية لا يعلمون حقيقة ما قدرنا؛ لأن أحوال الثمرة ليست معلومة للشجرة إلا لثمرة مثلها ووصفها ليكون واقفا بحالها.
وبقوله: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [سبأ: 29] يشير إلى أرباب الطلب واستعجالهم فيما وعدهم من رتبة الثمرة يعني متى نقل إلى الكمال الذي بشرتمونا به بقوله: { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } [سبأ: 30] مجيئهم كما أن الثمرة لكل شجرة وقتا معلوما لإدراكها وبلوغها إلى كمالها كذلك لكل طالب وقت معلوم بلاغه إلى رتبة كماله، كما قال تعالى:
حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة
[الأحقاف: 15]؛ ولهذا السر قال تعالى مع حبيبه صلى الله عليه وسلم:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
نامعلوم صفحہ