تاريخ جنون
تاريخ الجنون: من العصور القديمة وحتى يومنا هذا
اصناف
عرض جوزيف جيزلان نتائجه في حديث مطول عن مسألة تصنيف المرضى. ولقد قارن بين الطريقة النظرية (التي تقضي بتنظيم المرضى بحسب النوع وتصنيف المرض المصابين به)، والطريقة «العملية والتجريبية التي تقوم على التأثير السلبي أو الإيجابي الذي يمكن أن يحدثه المرضى عقليا على بعضهم البعض.» وكتب جوزيف بأن الطريقة الأولى آخذة في الزوال، فالقيام بجمع كافة المصابين بالسوداوية معا «يعني الحكم عليهم جميعا بالعيش في محيط تغمره الكآبة.» وعلى المستوى التقليدي للتنظيم الجيد - مع قدر قليل من التنازل - يقترح جيزلان التصنيف التالي: المرضى في حالة النقاهة، «والواعون مع نوبات دورية، والعاجزون وطريحو الفراش، والمرضى المسالمون، والمصابون بالسوداوية، والمرضى في حالات الانتشاء، والمصابون بالهوس السلمي وبالهذيان، والمختلون، والبله الهادئون» (ويكون الشرط الأساسي للوجود ضمن هذا التصنيف هو «القدرة على التصرف تقريبا مثل الشخص العاقل»؛ ثم المرضى المصابون بالهياج، «المصابون بالسوداوية والقلق، واليأس، والمرضى ذوو الميول الانتحارية، والمتجولون، والمتحركون والمصابون بالهوس والثرثرة وإلصاق التهم بالآخرين، والمغنون، والمصابون بالهذيان والمختلون والبله الماكرون، ومرضى العناد، والمصابون بالصرع لفترات طويلة.» (ولكي يدرج المريض في هذا التصنيف عليه ألا يتشاجر أو يمزق ثيابه، بل وأيضا عليه أن يحسن التصرف ليلا داخل المهجع)، باختصار عليه «أن يمتلك قدرا من الذكاء يمكنه من الخضوع لنظام هادئ»)، وأخيرا، المرضى المضطربون والمدمرون «الذين يتشاجرون ويحطمون الأثاث ويمزقون ثيابهم، والخائنون أو الميالون للانتقام، والمصابون بنوبات غضب عنيفة، والأغبياء المصابون بالصرع، والمصابون بالهوس المضطربون الغاضبون، والميالون للقتل»، والمختلون «الذين أصيبوا بضعف شديد في الوظائف العقلية، والبله والمصابون بالصرع دون هوس أو خرف، و(المصابون بهوس جنسي متعلق بالبول والبراز)»؛ أي إنهما ستة تصنيفات كبرى، معزولة بشدة بعضها عن بعض.
تم التخلي عن فكرة إسكيرول باستخدام الطوابق الأرضية لصالح نظام مختلط دعا إليه جيزلان: وضع المرضى عقليا المصابين بالخرف والمضطربين والخطرين في الطابق الأرضي، وباقي المرضى المسالمين في الطوابق الأخرى.
في عام 1852، نشر فالريه - تزامنا مع جيزلان - تصوره الخاص عن مصحة الأمراض العقلية
11
التي ترتكز - بالإضافة إلى مقولة إسكيرول الهامة (إن مصحة الأمراض العقلية إنما هي إحدى أدوات العلاج) - على الشعار التالي: «يجب أن يكون إنشاء مصحة للأمراض العقلية تحقيقا لمبادئ الطب العقلي أكثر منه عملا معماريا.» ونجد في هذا التصور - الذي يعد في فرنسا مرجعا في هذا الموضوع - جميع المسائل التي طالما نوقشت وبالتأكيد الإجابات نفسها، ولم يكن ظهور فكرة المهجع محط جدل؛ لكونه يخدم فكرة الحياة المشتركة، مثله مثل إنشاء قاعات الطعام والاجتماعات، بل وأيضا مبدأ العمل المشترك الذي من شأنه تنظيم إيقاع الحياة اليومية في المصحات. كل شيء خاضع للتحليل والحساب والقياس: مساحة الزنزانة (التي زادت) ومادة تصنيع السلالم والأرضيات وفتحات النوافذ (في ثلاث صفحات على الأقل عند فالريه)، دون إغفال المراحيض: «تعد مسألة المراحيض غاية في الأهمية في أي تجمعات بشرية كبيرة إلى حد ما، وتزيد أهميتها في مصحات الأمراض العقلية؛ بسبب ميل المرضى العام إلى القذارة، بل وأيضا لميولهم الانتحارية، أو بسبب حالات الاستمناء التي تتطلب مراقبة خاصة.»
ماذا عن العلاج المعنوي في كل هذا؟ لا يستخدم فالريه - مثله مثل زملائه - هذا التعبير المشوه بالفعل، وإنما تساءل أيضا، في خاتمة بحثه، عن مدى عمق فاعلية هذا «العلاج العام» وهذه «الرتابة» في المرض العقلي. وأخذ حينئذ يحلم بوضع تصنيفات خاصة أوحت إليه بها الدراسة الطبية وليس المبادئ الإدارية، وبمضاعفة المساحات الصغيرة التي تتيح للمرضى ممارسة تأثير مفيد على بعضهم البعض؛ أي ما يسمى ب «علاج متبادل» حقيقي.
أما بارشاب فإنه يتمسك أكثر بالأوضاع على أرض الواقع، ومن ثم يبدو أكثر عملية. كان متشددا في ممارسة مهامه بعيدا عن جمود التفكير، ولم يكن يشغله فكرة «أن تحديد شكل أو نمط معين يفرض على المصحات بشكل عام أمرا عقلانيا أو ممكنا.» كان يعتقد بالأحرى في «التحسين المستمر لتصنيف المرضى عقليا»، وعندما طلبت منه وجهة نظره حول الشكل الذي يجب أن تكون عليه مصحة الأمراض العقلية، أجاب: «أعطوني برنامجكم، وأروني أرضكم.»
12
إلا أن هذا لم يمنعه من امتلاك فكر جديدة لم يجر تنفيذها. كان يريد أن يحتجز الأغنياء في المصحات الخاصة، وأن يفصل الجنسان في مصحات منفصلة، وأن يكون الطبيب هو المدير الوحيد للمؤسسة؛ حيث إن المشاركة في السلطة لها دور كبير في رفاهية وشفاء المرضى، ولكن على حساب النفوذ والفعالية. لم يرد بارشاب - الذي هو من مؤيدي فكرة المساحة المتواضعة للمهجع - أن تكون الزنازين (المخصصة للحبس الانفرادي والإجباري، والمزودة بمعدات خاصة) مخصصة للإقامة الدائمة.
إنشاءات
نامعلوم صفحہ