والروايات من حول بشار كثيرة والقصص متعددة وجوهه، على أن الروايات قد اتفقت على أنه قال الشعر وهو ابن سبع سنين، وأنه كان أميل إلى الهجاء منه إلى أي فن من فنون الشعر، ولا جرم أن تنزع نفسه إلى الشعر فتيا ويكون من المواهب ما يستطيع أن يذلل من طريقها معاور اللغة؛ يكون في مقدوره أن يبلغ من الشعر ما بلغ بشار بن برد في سني شبابه؛ وظل عليه إلى أن مات.
لم يعرف العرب من ضروب النقد الأدبي إلا ضربان، أولهما المفاضلة، ومن التجاوز أن ندعو هذا نقدا أدبيا، وثانيهما نقد المعاني والألفاظ من طريق الاتساق واللغة، وهذا أول مدارج النقد، على هذا لا نستنكف أن نقول: إن العرب لم يعرفوا من النقد إلا بدايات قد نأثم أن نقول في بعضها: إنه نقد، وقد نقبل مكرهين أن نقول فيما بقي منها: إنها نقد أدبي على ما عرف في العصر الحديث.
على أننا نكاد نتخطى هذا الدور، وإن كانت آثاره لا تزال شديدة الفعل في الكثير مما تبرزه أقلام الكتاب والنقاد في عصرنا هذا، غير أننا وقد أزمعنا أن نتكلم في بشار، وأن نعرض له برأي نحلل فيه نفسيته، فإني أرى من الأوفق أن أورد رأي النقاد الذين تكلموا فيه من قبل لعلي أستعين برأيهم على بلوغ شيء من الحق ينير لنا السبيل، قال الأستاذ الزيات في بشار أنه (1) أول ما تكلم في الشعر الهجاء؛ لأن سوقه كانت نافقة. (2) وإنه طرق أبواب الشعر التي فتحت قبله وزاد عليها. (3) وإن الاتفاق بين رواة الشعر ونقدته على أنه رئيس طبقة المولدين. (4) وإنه كان مجددا في المجون ورقة الغزل. (5) وإنه جمع بين جزالة البدو ورقة الحضر. (6) وإن شعره الحد الأوسط بين القديم والحديث. (7) وإنه كامرئ القيس في الجاهليين.
ولست تقع في مجمل هذا على جديد يصح أن تركن إليه في نقد تتناول فيه بشارا على نمط حديث.
وقال الأستاذ العقاد - وهو عندي من أكثر النقاد فهما لطبيعة بشار: إن شعر بشار يقسم إلى قسمين: (1) الأول بدوي تغلب فيه الجفوة، وحضري تغلب فيه الرقة والنعومة. (2) وإنه إذا نظم في أغراض الشعر القديمة كان أقرب إلى لغة الأعراب، وإذا نظم في الغزل والمجون كان أقرب إلى اللغة المألوفة الشائعة التي «رقت حواشيها وسلسلت عباراتها.» (3) وإن روح شعره تدل على الطبيعة الحيوية والمزاج الدنيوي الذي يتخيل الأشياء كما يحسها في عالم الواقع القريب. (4) فلا إلهام في شعره ولا حنين ولا أشواق ولا بدوات ولا خيال، ولكنها تجربة الدنيا تملي عليه ما ينظم من الحكمة والوصف والغزل. (5) وإنه أصلح أدباء العرب؛ لأن تؤخذ عن شعره الشواهد الكثيرة على أساليب الطريقة الطبيعية الواقعية التي اشتهر بها بعض أدباء فرنسا على الخصوص في القرن الأخير.
وهذا الكلام كثيره حق واقع، على أن الأستاذ العقاد لو رجع إلى تحليل عقلية بشار تحليلا إثنولوجيا لاستطاع أن يصيب كبد الحقيقة، على أنه مهما كان في تعليله لطبيعة بشار من تمسح بالدنيويات ؛ ليعلل بذلك حقيقة عقليته الحسية، فإنه في ذلك إنما أورد عرض الشيء ليكون علة، ولم يبلغ إلى الجوهر الكامن في وراثة بشار الآرية عن أجداده الفرس، على أن هذا النقد من أبلغ ما وقعت عليه من صنوف النقد الحديث إمعانا في التعمق إلى الأصول، أو كما يقولون للعناصر الأولية التي يقوم عليها النقد التحليلي الصحيح.
وقال الأستاذ طه حسين: إن بشارا (1) شاعر غزير المادة جدا. (2) وإن الجيد في هذه المادة لم يكن صادقا في شعره ولا مخلصا، إنما كان يتكلف المعاني في أكثر الأوقات ويتكلف الألفاظ والأوصاف أيضا. (3) وإنه لم يكن محببا ولا لينا رقيق الطبع والحاشية، وإنما كان قويا جبارا مبغضا. (4) وإنك إن أردت أن تعرف الفن الذي برع فيه بشار فهو فن الهجاء، وفي الحق أنه قتل الهجاء، وإن الهجاء قتله أيضا.
وفي هذا القول من الدلائل ما يثبت لك أن الأستاذ طه حسين لم يفهم من نفسية بشار شيئا، ولا حلل من طبيعة بشار شيئا، فالقول: إن بشارا شاعر غزير المادة ليس بجديد في نقد بشار، وأما أنه يتكلف المعاني والألفاظ والأوصاف فذلك بالقياس إلى المحبين للأستاذ من الشعراء الساميين الذين لم يقف على الفرق بينهم وبين الشعراء الذين تجري في عروقهم الدماء الآرية، وأما القول بأنه قتل الهجاء فليس بصحيح؛ لأن شعر بشار لم يصلنا على تمامه، وإرسال الأحكام العامة بالاعتماد على الجزئيات لا يؤمن معه الزلل والخطأ، والدليل المادي قوله بأن بشارا قتله الهجاء؟ ولست أدري كيف أن الهجاء يقتل من قتل الهجاء؟!
وقال الأستاذ ضيف: إن بشارا (1) رأس المحدثين وأشعرهم. (2) وإنه من الشعراء الذين أحدثوا انقلابا في الأساليب الشعرية، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية. (3) وإنه اشتهر بمخالفة الأسلوب القديم وحمل على العرب. (4) وإنه استخف بالعادات وبكثير من المسائل الدينية. (5) وإن له آراء رجعية في الدين. (6) وإنه من أشعر الشعراء وأكثرهم مجونا وأقلهم مبالاة بما يقول ويفعل.
وهذا النقد - إن صح أن نسميه نقدا - ليس إلا مقررات لم يعلل أسبابها الأستاذ تعليلا صحيحا على الأسلوب العلمي الحديث، وكان في مستطاع أي ناقد في القرن الأول أو الثاني من الهجرة أن يقول ما قال الأستاذ ضيف في القرن العشرين.
نامعلوم صفحہ