453

وأما القائد الآخر وكان يقال له شاهين وكان فاذوسبان المغرب فإنه سار حتى احتوى على مصر والاسكندرية وبلاد نوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة إسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان وتدعى مرتبته شهربراز وإنه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق وانتقاما له منهم ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره وملكوا عيهم رجلا يقال له هرقل

فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلادالروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه بزة قائما في ناحية عنه فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل إني قد أسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد ورأى الليلة الثانية في منامه أن الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه وقال له هأنذا قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه فإن الظفر لك وإنك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم

فأخبروه أنه مدال عليه وأشاروا عليه أن يغزوه فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينة قسطنطينية وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ونزل نصيبين بعد سنة وكان شاهين فاذوسبان المغرب بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه وعزله إياه عن ذلك الثغر وكان شهربراز مرابطا للموضع الذي كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه وترك البراح منه فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له راهزار في اثني عشر الف مقاتل وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيم بدسكرة الملك فنفذ راهزار لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس فأذكى راهزار العيون عليه فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم لكثرتهم وحسن عدتهم كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك عبى جنده وناهض الروم فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن وتحصن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل

وسار هرقل حتى كان قريبا من المدائن فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله انصرف إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب فأحرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه وكتب إلى شهربراز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك ويصف ما كان من أمر الروم في عمله

صفحہ 467