تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي ولى نرسي أخاه خراسان وأنزله بلخ واستوزر مهر نرسي بن برازة وخصه وجعله مزرجفرمذار وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند ليعرف أخبارها والتطلف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته ليخفف بذلك بعض مؤونة عن أهل مملكته وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل وقتل ناسا كثيرا فسأل بعضهم أن يدله عليه ليقتله وانتهى أمره إلى الملك فدعا به وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهىبهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل رقي الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل فصاح به فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد ومنظر هائل فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب ووقذه بالنشاب حتى بلغ منه ووثب عليه فأخذه بمشفره فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك فعجب من شدته وجرأته وحباه حباء عظيما واستفهمه أمره فقال له بهرام أنا رجل من عظماء الفرس وكان ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه وسار إليه بجنود عظيمة فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك فنهاه بهرام عن ذلك وضمن له كفاية أمره فسكن إلى قوله وخرج بهرام مستعدا له فلما التقوا قال لأساورة الهند احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين ويأتي الفيل فيقد مشفره بالسيف ويحتمل الفارس عن سرجه والهند قوم لا يحسنون الرمي وأكثرهم رجالة لا دواب لهم وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه فلما عاينوا منه ما عاينوا ولوا منهزمين لا يلوون على شيء وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه وانصرف محبورا مسرورا ومعه بهرام فكان في مكافأته إياه أن أنكحه ابنته ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند وكتب له بذلك كتابا وأشهد له على نفسه شهودا وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم وحمل خراجها إلى بهرام وانصرف بهرام مسرورا ثم إنه أغزى مهر نرسي بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل وأمره أن يقصد عظيمها ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي فتوجه في تلك العدة ودخل القسطنطينية وقام مقاما مشهورا وهادنه عظيم الروم وانصرف بكل الذي أراد بهرام ولم يزل لمهر نرسي مكرما وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهرنرسة وهو مهر نرسي بن برازة بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ بن سيسنابروة بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب
وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه وجودة آرائه وسكون العامة إليه وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا أحدهم زروانداذ كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه فأدرك من ذلك أمرا عظيما حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر ما جشنس ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم واسم مرتبته بالفارسية أسطران سلار وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزر جفر ماندار وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها إبروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة واتخذ فيها بيت نار هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية يقال لها مهرنرسيان واتخذ بالقرب من إبروان أربع قرى وجعل في كل واحدة منها بيت نار فجعل واحدا منها لنفسه وسماه فراز مرا آورخذايان وتفسير ذلك أقبلي إلي سيدتي على وجه التعظيم للنار وجعل الآخر لزراونداذ وسماه زراونداذان والآخر لكارد وسماه كارداذان والآخر لماجشنس وسماه ماجشنسفان واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات جعل في كل باغ منها اثنتي عشرة ألف نخلة وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون وفي باغ اثنتي عشرة ألف سروة ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيرات في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم وإن ذلك فيما ذكر إلى اليوم باق على أحسن حالاته
وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى منهم خلقا ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت
واختلفوا في مدة ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما
صفحہ 412